فهرس الكتاب
ومن ذلك جديد النعمة الذي ذاق مرارة الفقر حِقْبَةً من الزمان، وكابد منه ما كابد من الآلام والأوجاع؛ فإنه مهما حسنت حاله، وانتعشت نفسه، وفاضت خزائنه بالفضة والذهب _ لا تذهب من فمه تلك المرارة، ولا تُضَيِّع ذاكرتُه آلامها، فلا يزال يتملك قلبه وسواس مقلق يُخَيِّل ما لا يُتَخَيَّل، ويريه ما لا يرى،كمن تمثل له خيال الشيطان مرة في أبشع صورة، وأفظع شكل؛ فهاله منظره، وذهب الخوف منه برشده؛ فلا يزال يراه في كل مكان وزمان، وفي حالتي الأمن والخوف، والوحشة والأنس.
الخامس _ اللؤم: فإن النفس إذا خبثت طينتُها، ولَؤُمَ طبعُها كان من أخص صفاتها الحقدُ على الوجود بأجمعه، وبغضُ الخير للناس قاطبة، فكيف يمنحهم من ذات يده ما يزيده ألمًا على ألم، وحسرة فوق حسرة، وهو لو استطاع أن يمنع عنهم سارية السماء، ويعترض دونهم نابتة الأرض لفعل؟.
السادس _ سقوط الهمة: إذا نشأ الإنسان عاليَ الهمة طموحًا إلى المعالي، محبًا للذكر الحسن، والثناء الجميل _ سهل عليه أن يبذل في سبيل ذلك كل ما يستطيع بذله من ذات يده أو ذات نفسه.
وحب المجد أسال الذهب من خزائن الأغنياء، وصيَّر نفوس الشجعان نهبًا مقسمًا بين شفرات السيوف، وأسنة الرماح؛ طلبًا لسعادة الحياة بالذكر، وسعادة الممات بالخلود؛ فمن لساقط الهمة ضعيف النفس بدافع يدفعه إلى بذل المال على مكانته الراسخة في قلبه، وامتزاج حبه بلحمه ودمه؟ أيدفعه حبُّ الثناء، وهو لا يشعر بلذته؟ أو خوف المذمة، وهو لا يتألم منها، ولا يحس بمرارتها؟ أم سعادة الحياة وسعادة الممات؟ وهو لا يفهم للسعادة معنى غير ما فهمه الزبرقان بن بدر حينما قنع على لسان الحطيئة من المكارم بلقمة يمضغها، وحُلَّةٍ يلبسها (1) .
(1) يشير إلى ما قاله الحطيئة في الزبرقان:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (م)