الصفحة 375 من 989

قد يضرب الناس أمثلة كثيرة بقوم فاسدي الأخلاق نجحوا في الحياة برذائلهم حيث لم ينجح كثير من الناس بفضائلهم، ولديهم أمثلة كثيرة على ذلك وخاصة في أيام الحرب؛ فالتاجر المستقيم ربح بحساب أو لم يربح مطلقًا، والتاجر الذاعر (1) ربح من غير حساب، والموظف الأمين عاش على مرتبه الضئيل، والموظف الخائن حاز الأموال الطائلة حتى لم تعد تهمه الوظيفة، ثم الموظف المتملق لرؤسائه قد يرقى على أكتاف الموظف المستقيم وهكذا...

قد يكون هذا صحيحًا، ولكن لابد أن تحسب راحة الضمير للمستقيم وقلقه عند الخائن، وتحسب احتقار الرأي العام للخائن واحترامه للنزيه، وتحسب حساب المسؤولية أمام الله، وتحسب حساب أن المال الحرام قلما يفيد صاحبه، وأولاده؛ لأسباب دينية ونفسية واجتماعية، وتحسب حسابَ مَنْ ضُبِطوا في حياتهم، فعوقبوا، فخسروا الدنيا والآخرة؛ فلو حسبت حسابَ هذا كلِّه لترددت كثيرًا في تسمية هذا نجاحًا.

وهَبْهُ صحيحًا؛ فأغنياء الحرب الذين اكتسبوا من طريق الرذائل استثناءٌ من الحياة العامة، ومن نجحوا في السلم عن طريق غشهم وخداعهم وملقهم استثناء من الحياة العامة.

أما القانون العام في كل زمان ومكان فهو أن النجاح في الحياة يتوقف كثيرًا على الأخلاق التي يستلزمها العمل من صفات خاصة وعامة من اعتدال في الحياة، وضبط للنفس، وجدٍّ في العمل، وأمانةٍ واعتماد على النفس، وثقةٍ بها، وإخلاص في العمل، وإخلاص لنفسه، وللناس، وصدق في المعاملة إلى غير ذلك من فضائل.

وكلما رقيت الأمة كان من مظاهر رقيها نجاح الذين يعتمدون على أخلاقهم وفشل الذين يعتمدون على رذائلهم.

وهكذا الشأن في الأمم، تنجح الأمة في عالم التجارة إذا حسنت سمعتها، وحسنت معاملاتها، وحسن إنتاجها، وتفشل إذا انهارت هذه الأخلاق.

(1) لعله: الداعر (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت