الصفحة 376 من 989

وتنجح في السياسة إذا صدقت في وعودها، وشرفت في معاملاتها، وخَدَمَتِ الإنسانية بأغراضها؛ فإن نجحت بغير ذلك فنجاح مؤقت، ونجاحٌ كنجاح الموظف الخائن.

ومؤرخوا الدولة الرومانية _ مثلًا _ مجمعون على أن نجاحها في عصر ازدهارها كان مؤسسًا على أخلاقها؛ فلما تدهورت أخلاقها تدهورت أملاكها.

ثم قد ينجح المرء في الحياة بسبب النبوغ العلمي النادر، أو الذكاء العقلي اللامع، أو القدرة الفائقة على إدراك الفرص، وانتهازها ولو لم تدعمها الأخلاق الفاضلة، ولكن حتى في هذه الأحوال النادرة لو كان لهذه المزايا الفائقة مستندٌ من أخلاق فاضلة لكان صاحبها أكثر نجاحًا؛ فالأخلاق الفاضلة تقويه وتقوي نجاحه، والأخلاق السيئة تضعفه وتضعف نجاحه.

إن الذكاء اللامع، والعقلية القوية، والقدرة على انتهاز الفرص، ونحو ذلك لو دعمتها أخلاق فاضلة لتوجهت إلى خير صاحبها وخير الناس، وإن هي لم ترتكز على الأخلاق الفاضلة كانت عرضة لأن تتجه للعمل لشر الناس.

وفي ذلك من الخطر ما لا يخفى، والنابغ والذكي أقدر على الخير والشر من الرجل العادي.

وهناك أمر لابد من التنبيه إليه، ويقع في الخطأ فيه كثير من الناس، وهو أن الأخلاق الفاضلة التي تسبب النجاح يجب أن تصحبها اللباقة أو الأدب في المعاملة أو حسن المجاملة أو ما شئت من أسماء؛ فالأخلاق الفاضلة وحدها لا تكفي في النجاح إذا هي اصطحبت بجفاف في المعاملة، أو خشونة في الطباع، أو عدم ظرف ولباقة؛ قد يكون التاجر أمينًا مستقيمًا، ولكنه خشن غير لبق، وقد يكون الموظف مستقيمًا أمينًا جادًا في عمله قائمًا بواجباته ولكنه جافٌّ غليظ سمج في معاملاته لرؤسائه وللناس، وقد يكون الأديب أو العالم مستقيمًا في سلوكه مخلصًا لأدبه أو علمه، ولكنه غير لبق في معاملته لمن حوله، كل هؤلاء قد يفشلون في الحياة، ولا ينجحون ثم هم يخطؤون؛ إذ يظنون ويظن بعض الناس معهم أن فشلهم أتى من استقامتهم، وجدهم، وإخلاصهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت