الصفحة 39 من 989

, فقد سبق لنا أن تعرضنا لهذا الموضوع في مقال =القضاء العادل في الإسلام+ (1) .

كما أني لا أريد البحث عن الإنصاف الذي هو خلقٌ يحملُ صاحبَه على أن يُعطي الحقوق المادية من نفسه, كأن يعرف الرجل أن هذا المال أو المتاع حق لفلان ؛ فَيَكُفَّ يده أو يرفعها عنه من تلقاء نفسه, لا يخشى سطوة حاكم، أو لومة لائم؛ فللحديث عن الإنصاف الذي هو تبرئة الذمة من الحقوق المادية مقام غير هذا المقام.

وإنما الغرض البحث عن ضرب خاص من ضروب الإنصاف وهو أن يقول الرجل صوابًا؛ فتعترف بأنه محق، أو يحرز خصلة حمد؛ فتقر بها ولا تنازع من يصفه بها.

ولا أجد مانعًا من أن أسمي هذا النوع من الإنصاف =الإنصاف الأدبي+ ويقابله من الأخلاق المذمومة =العناد+ وهو جحود الحق, ورده مع العلم بأنه حق.

والإنصاف الأدبي من الخصال التي لا ترسخ إلا في نفس نبتت في بيئة صالحة, وارتضعت من ثدي التربية الصحيحة لبنًا خالصًا.

والجماعة التي تفقد هذا الخلق تفقد جانبًا عظيمًا من أسباب السعادة، ويدخلها الوهن بعد الوهن, حتى تتفرق أيدي سبا (2) وعليك الإنصات، وعلينا البيان:

بين الأخلاق روابط, وكثيرًا ما يكون بعضها وليد بعض، كالعدل قد يكون وليد القناعة, وكالشجاعة قد تكون وليدة عزة النفس, وكالجبن قد يكون وليد الطمع, وكذلك خلق العناد، وعدم الإذعان للحق قد يكون وليد الحسد، وقد ينشأ عن طبيعة الغلو في حب الذات.

وللغلو في حب الذات فرعان: حب الانفراد بالفخر, وإيثار النفس على كل شيء حتى الحق؛ فالحاسد أو الحريص على الانفراد بالفخر هو الذي يسمع الرجل يقول صوابًا فيقول له: أخطأت, أو يسمع الثناء عليه ببعض ما أحرز من خصال فيقول للمُثني عليه:كذبت.

(1) سيأتي هذا المقال ضمن هذا المجموع في المقالات التي تحت عنوان (مقالات في السياسة والاجتماع) .

(2) هذا مثل يضرب للتفرق والشتات. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت