فهرس الكتاب
وإيثار النفس على الحق هو الذي يحمل الرجل على التعصب لرأيه, والدفاع عنه وهو يعلم أنه في خطأ مبين.
فمن أراد أن يَطْبَع ناشئًا على خلق الإنصاف نَقَّب على علتي الحسد والغلو في حب الذات, فإن وجد لهما في نفس الناشئ أثرًا راوضه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ حتى يتهيأ الناشئ لأن يكون على هذا الخلق العظيم, أعني خلق الإنصاف.
وإذا كان منشأُ الحسد قلةَ ملاحظةِ أنَّ النعمَة تصل إلى صاحبها مِنْ علام الغيوب, وهو لا يرسلها إلا لِحِكْمَة _ فإن من وسائل علاج هذا الداء تلقينَ الناشئ أن النعم ماديةً أو أدبيةً إنما ينالها الناس بمشيئة العليم الحكيم.
وإذا كان منشأُ الحرصِ على الانفرادِ بالفخرِ هو الغلوَّ في حب الذات _ كان على المربي تهذيبُ عاطفةِ حبِّ الذات في نفس الناشئ حتى تكون عاطفةً معتدلة: تجلب لها الخير, وتأبى له أن يَنال غيرَهُ بمكروه.
وإذا شُفي الناشئ من مرض الحسد, وخَلُصَ من لوثة الغلو في حب الذات _لم يبقَ بينه وبين فضيلة الإنصاف إلا أن تَعْرِضَ عليه شيئًا من آثارِها الطيبةِ, وتُذَكِّره بما يدرك المحرومين منها والمُسْتَخِفِّين بها من خسار وهوان.
وقلَّةُ الإنصاف تُبْعِد ما بين الأقارب أو الأصدقاء, وكم من تَجَافٍ نَشَأَ بين أخوين أو صديقين, وإنما نشأ من جحود أحدِهما بَعْضَ ما يتحلى به الآخر من فضل, أو من رَدِّه عليه رأيًا أو روايةً وهو يعلم أنه مصيبٌ فيما رأى، أو صادقٌ فيما روى, قال الحكيم العربي:
ولم تزل قِلَّةُ الإنصافِ قاطعةً ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رَحِمِ
ومتى شَعُرَ الرجلُ من آخر بإنكار شيء من فضله, أو بتعسفه في معارضة رأيه_ رآه غير موضعٍ للصحبة والمعاشرة, وربما وقع في ظنه أن الراحة في عدم لقائه.