فهرس الكتاب
قلةُ الإنصافِ تَجُرُّ إلى التقاطعِ, والإنصافُ يدعو إلى الألفة, ويؤكد صلةَ الصداقة؛ فإذا كنت في مجلس, فقرر الرجل رأيًا واضح الحجة, فغلبك ما في نفسك, وحاولت أن تصوره للناس خطأً _ فقد ألقيت بينك وبينه عداوة؛ فإن خضعت لحجته, وأعربت له عن استحسان رأيه فقد مددت بينك وبينه سببًا من أسباب الألفة؛ إذ يشعر من إنصافك أنك لا تحمل له ضغنًا، ولا تكره له أن ينال حمدًا؛ فإن سبق هذا الإنصاف خصومةً شعر بأنك خصم شريف؛ فيسعى لأن تنقلب الخصومة سلمًا, ويتبدل التقاطع ولاءًا.
وقلةُ الإنصاف تسقط احترامك من العيون؛ فإن من يراك تهاجم الآراءَ المُؤَيَّدةَ بالحجة قد يَحْمِلُ هذا الهجومَ على قصر نظرِك, وعجزِك عن تمييز الباطل من الحق, فإن حمله على أنك تهاجمها؛ كراهة أن تكسب صاحبها حمدًا وقع في نفسه أنك تتمنى لغيرك زوال النعمة, أو أنك حريص على الانفراد بخصال الحمد, فإن ذهب في تأويل إِبايَتِكَ لقبول الحق إلى أنك تموه على الناس؛ حتى لا ينسبوا إليك نقيصة الخطأ علم ما لم يكن يعلم من إيثارك النفس على الحق.
ولا احترام لمن لا يدرك الآراءَ المؤيدةَ بالحجة, أو يتألم من أن يرى غيره في نعمة, أو من يعمل للانفراد بالحمد من طريق التعسف والعناد, أو من يدافع عن نفسه نقص الخطأ بمحاولة قتل الحق.
قلةُ الإنصافِ تُسْقط احترامك من القلوبِ، والإنصافُ يزيد احترامك في القلوب مكانة؛ ذلك لأن إنصافك للرجال يدل على صفاء سريرتك، ونقائها من أن تكون قد حملت شيئًا من دنس الحسد, أو حام بها الغلوُّ في حب الذات.
نقرأ في كتب الأدب أن منذر بن سعيد البلوطي دخل مصر, وحضر مجلس أبي جعفر النحاس وهو يملي أخبار الشعراء, فأنشد أبو جعفر أبيات مجنون ليلى هكذا:
خليلي هل بالشام عينٌ حزينة ... تُبَكِّي على نجد لعلي أعينها
قد اسلمها الباكون إلا حمامةٌ ... مطوقةٌ باتت وبات قرينها
تجاوبها أخرى على خَيْزَرانةٍ
ٍ ... يكاد يُدَنِّيها من الأرض لينها