فهرس الكتاب
فلما سمعها علي بن أبي طالب ÷, قال: هذا طلحة بن عبيد الله, وكان السيف لَيَلْتَئِدُ مجردًا بينهما.
يسهل على الرجل أن ينصف مَنْ هو أكبر سنًا منه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف قرينه؛ ذلك لأن أكبر عائق عن الإنصاف التحاسدُ, وحسدُ الإنسانِ لأقرانه أكبر وأشدُّ من حسده للمتقدمين عليه في السن.
ويسهل عليه أن ينصف أقرانه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف من هو أحدثُ سنًا منه؛ إذ يسبق إلى ظنه أن ظهورَ مزيةٍ لمن هو أحدث عهدًا منه قد تفضي إلى أن يكون ذِكْرُهُ أرفعَ.
وفضلُ القرين على بعض أقرانه شائعٌ أكثر من فضل المتأخر على المتقدم, وشيوع الشيء يجعله أهونَ على النفس مما هو أقل شيوعًا منه.
فينبغي للإنسان أن يتيقظ للأحوال التي تتقوى فيها داعيةُ العناد, ويعدَّ للوقوف عند حدود الإنصاف, ومقاومة تلك الداعية _ ما استطاع من قوة.
ويقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة, ولا يجد في نفسه حرجًا من أن يَظْهَرَ عليه أحدُهم في بحث أو محاورة.
يذكرون أن العلامةَ عبدَالله الشريفَ التلمسانيَّ كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه, ويبرزه في أحسن صوره.
ويروى أن أبا عبد الله هذا كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد بن الإمام الكلامَ في مسألة, وطال البحث اعتراضًا وجوابًا حتى ظهر أبو عبد الله على أستاذه أبي زيد, فاعترف له الأستاذ بالإصابة, وأنشد مداعبًا:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
ومن نظر بروية إلى أن فضل العلم من جهة أنه وسيلة إلى إصلاح العمل، وإسعاد البشر, وكان مع هذا النظر ناصحًا لأمته _ وقف عند حد الإنصاف، ولم ينحرف عنه إجابةً لداعي الحسد؛ أو انسياقًا مع حب العلو في الأرض ولو بغير حق.
أخذ رجال بأدب الإسلام؛ فرسخوا في فضيلة الإنصاف على قدر صفاء سرائرهم, واحترامهم لأصول الدين وأحكامه.