فهرس الكتاب
وقد مثل الصحابة _ رضي الله عنهم _ الإنصاف في أكمل صورة, بدا لعمر ابن الخطاب مرة أن يضع للمهور حدًا, فخطب قائلًا: =لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال+.
فقامت امرأة من صف النساء, فقالت: ما ذاك لك, قال: ولم؟ قالت لأن الله _ عز وجل _ يقول: [وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا]
فقال عمر: =امرأة أصابت، ورجل أخطأ+.
ولو كان عمر بن الخطاب ÷ من أولئك الذين يألمون من أن ينسب إليهم نقصٌ أكثرَ من ألمهم لتحريف آية عن موضعها, أو استبدال خاطر بشري بحكم إلهي _ لما عَدِم وجهًا من أمثال تلك الوجوه التي يصورها المخادعون, أو ضعفاء الإيمان؛ تعصبًا لآرائهم المخالفة للقرآن.
اختلف ابن عباس وزيد بن حارثة _ رضي الله عنهما _ في مسألة من باب الحيض, فقرر ابن عباس حكمًا؛ وخالفه زيد, فرأى فيها رأيًا آخر, فقال له ابن عباس: سل نسيَّاتك: أم سليمان وصويحباتها, فذهب زيد فسألهن, ثم جاء وهو يضحك، فقال لابن عباس: القول ما قلت.
وموضع العبرة من هذه القصة أن زيدًا تمسك برأيه في مخالفة ابن عباس حتى استبان له أن الحق مع ابن عباس, فلم يجد في نفسه حرجًا من أن يرجع إليه ضاحكًا، ويقول له: القول ما قلت.
ويروى أن الإمام علي بن أبي طالب ÷ تكلم في مسألة, فقال له أحد الحاضرين: ليس الأمر كذلك يا أمير المؤمنين, ولكنه كذا وكذا, فقال علي: أصبتَ وأخطأتُ, وفوق كل ذي علم عليم.
وعشاق الأخلاق الكريمة يجلون الإمامَ عليًا لهذا الإنصاف إجلالهم له عندما يفتي، فيصيب الحق, أو يعظ، فينطق بالحكمة.
وقد اقتدى بالصحابة في هذا الخلق الكريم من جاء بعدهم من كبار العلماء, وهذا الإمام الشافعي ÷ يقول: =ما ناظرت أحدًا على الغلبة, ووددت إذا ناظرت أحدًا أن يظهر الحق على يديه+.