فهرس الكتاب
والراسخون في فضيلة الإنصاف لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفهم وحده, أو بمحضر جمع كبير لم يشعروا بالخلاف, ولا بخطأ المخطئ، أو إصابة المصيب.
وها هو ذا التاريخ يحدثنا عن رجال من علماء الإسلام بلغوا هذه الغاية من الإنصاف, قال عبد الرحمن بن مهدي: ذاكرت القاضي عبيد الله بن الحسين في حديث وهو يومئذ قاض, فخالفني فيه, فدخلت عليه بعد وعنده الناس سماطين (1) , فقال لي: ذلك الحديث كما قلت أنت؛ وأرجع أنا صاغرًا.
فعبيد الله بن الحسين قد أحسن إلى نفسه؛ إذ أخذها بفضيلة الإنصاف, وأحسن إلى الناس؛ إذ علمهم كيف يعترفون بالخطأ إذا أخطأوا، ولا يتلبثون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم, وعلت أقدارهم.
العناد قبيح, ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رَدَّه على صاحبه؛ فمتى كانت الحجةُ أظهرَ كان العنادُ أقبحَ، والإنصافُ جميلٌ ويكون جمالُه أوضحَ وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيءٌ من الخفاء, وحيث يُمْكِنُك أن تتحيز لرأيك، وتهيئ كثيرًا من الأذهان لقبوله.
وقد ينقل التاريخُ شذراتٍ من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر, أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة؛ فتهتز في نفوس قرائها عاطفة احترام لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد, وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب, وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة.
وسببُ هذا الإكبارِ عظمةُ الإنصافِ, وعِزَّةُ مَنْ يأخذ نفسه بها في كل حال.
قال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف.
(1) سماط القوم صفهم, يقال: قام القوم حوله سماطين أي صفين.