الصفحة 49 من 989

فمن يتكلف فعل المكرمات، وبذل المال؛ رياء لا يقال خلقه السخاء أو الكرم، ومن تصنَّع الحلم أو التواضع لا يسمى حليمًا ولا متواضعًا.

وها هو ذا أبو الطيب المتنبي يقول:

وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا

فرب شخص من خلقه السخاء لكنه لم يبذل لفقده المال، أو لمانع آخر، ورب بخيل تراه في طليعة الباذلين والمتبرعين؛ لحاجة في نفسه قضاها.

من أجل هذا عرَّف بعضهم الأخلاق فقال: هي ميول وجدانية تقوم بالنفس؛ فتوحي بها إلى الجوارح؛ فتحدث آثارها إن خيرًا، وإن شرًّا وفاقًا لإرادة الشخص ونزوعه النفسي...

والأخلاق إما حسنة وإما سيئة، فالحسن: ما حسَّنه الشرع والعقل (1) ، والسيئ: ما ذمه الشرع والعقل.

ومن شأن العاقل الكامل أن يختار الأفضل، والأحسن في العاقبة وإن كان في فعله مشقة على النفس، أو كان مكروهًا لها، ومبغضًا قال _ تعالى _: [فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا] ، وقال _ تعالى _: [وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ]

وآفة عقل الإنسان هواه؛ ولذا قال بعض الحكماء: أرفض الهوى؛ فإنه إذا غلب العقل جعل محاسن المرء مساوئ، فيصير الحلم حقدًا، والعبادة رياءًا، والجود تبذيرًا، والاقتصاد بخلًا.

وقال آخر:

وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عَقْلُه فقد نجا

وإذا قوي العقل، وغلب قاد صاحبه إلى محاسن الأخلاق، ومحامد الأمور، وحفظه من التردي من مهاوي الهلكة.

وإن ضعف العقل هلكت النفس، وظهر اعوجاجها.

(1) المقصود بالعقل: العقل السليم، وهو السالم من الشهوات والشبهات؛ وإلا فقد تُحسِّن بعض العقول ما ليس بحسن، وقد تقبح ما ليس بقبيح؛ فالعبرة _إذًا_ بالشرع، وإن كان للعقل مدخل في التحسين والتقبيح، ولكنه لا يستقل بذلك. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت