فهرس الكتاب
دلونا أيها الناس على رجل واحد سلم عرضُه وشرفُه، وحُفِظَ معروفُه وجميله، واستطاع الفضل أن يحميه من لغو المرجفين، وكيد المفسدين.
لقد صحبت طوائف من المصريين وطوائف من الأجانب وانتهيت إلى النتيجة الآتية: الغيبة والنميمة من الرذائل الإنسانية يقع فيها المصريون وغير المصريين.
ومع هذا لاحظت أن المثقفين من الأجانب قد يستبيحون الاغتياب، ولكنهم لا يستبيحون البهتان؛ فالرجل قد يغتابك، ولكنه يتحرَّج من أن يصفك بما ليس فيك، وقد ينم، ولكن نمائمه خالصة من المفتريات.
أما المثقفون منَّا _وا أسفاه!_ فيجمعون بين الرذيلتين: النميمة، والافتراء.
ومعنى هذا أنَّ من الأجانب من يعصمه الحياء من خَلْقِ الأكاذيب، وأنَّ فينا من تنقصه فضيلة الحياء.
إننا نتحدث كثيرًا عن الوطنيةِ، والوطنيةُ لا تقوم إلا على فكرة الوطن، والوطن لا يُحَبُّ إلا حين يكون لنا فيه أصدقاء وأخلاء؛ فإنَّ الموداتِ والعلاقاتِ هي أساس التقديس (1) للأفكار والأشخاص.
أيها المغتابون والنمامون! أنتم أعداء الصدق والكرامة والوطنية، وأنتم أعداء أنفسكم لو تعلمون!
الوفاء (2) لمصطفى لطفي المنفلوطي (3)
(1) لو قال: التقدير (م) .
(2) مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة الموضوعة ص364_367.
(3) هو مصطفى لطفي المنفلوطي، ولد بمنفلوط من أعمال محافظة أسيوط سنة 1293هـ، 1876م، ونشأ في بيت كريم جليل معروف بالعلم والقضاء، وقد نهج المنفلوطي سبيل آبائه في الثقافة، فحفظ القرآن في المكتب، وتلقى العلم بالأزهر، وكان ميالًا إلى علوم اللغة، وفنون الأدب؛ فهو يحفظ الأشعار، ويتصيد الشوارد، ويصوغ القريض، وينشئ الرسائل، وقد برز في الكتابة أكثر من بروزه في غيرها؛ فصار في مصاف أكابر الكتاب في عصره، وكان× أديبًا موهوبًا، ذا أسلوب ساحر، وبيان عذب.
وجملة القول _كما يقول الزيات_ أن المنفلوطي في النثر كالبارودي في الشعر كلاهما أحيا، وجدد.
أما مؤلفاته فله النظرات في ثلاثة أجزاء جمع فيها ما نشره في صحيفة المؤيد من الفصول في النقد، والاجتماع، والوصف، والقصص.
وله مختارات المنفلوطي من أشعار المتقدمين ومقالاتهم.
وقد ترجم له بعض أصدقائه من الفرنسية تحت طلال الزيزفون (مجدولين) لأفونس كار روبول سود فرجيني (الفضيلة) لبرناردي سان بيير، وسيرانود برجراك (الشاعر) لأدمون رستان، فصاغها بأسلوبه البليغ الرصين صياغة حرة لم يتقيد فيها بالأصل؛ فأضافت إلى ثراء الأدب العربي ثروة، وكانت للفن القصصي الحديث قوة.
وقد جمعت كتاباته في المجموعة الكاملة _الموضوعة والمقتبسة_.
أما أخلاقه فكان كريمًا عف الضمير، رقيق القلب، سليم الصدر.
توفي× سنة 1924م عن 48سنة.
انظر تاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات ص537_540.