الصفحة 53 من 989

يا صاحب النظرات (1) :

تزوجت منذ سنة من زوج صالحة طيبة القلب والسريرة، فاغتبطت بعشرتها برهة من الزمان، وقد عرض لها في هذه الأيام رمد في عينيها؛ فذهب ببصرها فأصبحت عمياء، وأصبحت أعمى بجانبها، وقد بدا لي أن أطلقها وأتزوج من غيرها... فماذا ترى ؟

إنسان.

أيها الإنسان: لا تفعل، فإنك إن فعلت كان عليك إثم الخائنين، وجرم الغادرين، وكن اليوم أحرص على بقائها بجانبك منك قبل اليوم؛ لتستطيع أن تدخر لنفسك عند الله من المثوبة والأجر ما يدخر أمثالك من الصابرين المحسنين.

لا تقل: إنها عمياء فلا خير فيها، ولا غبطة لي بها؛ فإنك ستجد بين جنبيك من لذة المروءة والإحسان والجود والإيثار ما يحسدك عليه الناعمون بالحور الحسان، في مقاصير الجنان.

اجلس إليها صباحك ومساءك، وحادثها محادثة الصديق صديقه، بل الزوج زوجه، وتلطف بها جهدك، وروِّح عن نفسها ما يساورها من الهموم والكروب وقل لها: لا تجزعي ولا تحزني؛ فإنما أنا بصرك الذي به تبصرين، ونورك الذي به تهتدين.

أعيذك أيها الإنسان بالله ألا تجعل لهذا الخاطر السيء _ خاطر الطلاق والفراق _ سبيلًا إلى نفسك، فإنها لم تسىءْ إليك؛ فتسيءَ إليها، ولم تنقضْ عهدك؛ فتنقضَ عهدها، فإن كنت لا بدَّ ثائرًا لنفسك فاثأر من القدر إن استطعت إليه سبيلًا!

إنَّ عجزًا من الرجل وضعفًا أن يغضب؛ فيمد يده بالعقوبة إلى غير من أذنب إليه، ويعتدي عليه.

إن لم يكن احتفاظك بزوجك، وإبقاؤك عليها عدلًا يسألك الله عنه فليكن إحسانًا تحاسبك الإنسانية فيه.

إنك قد خسرت بصرها، ولكنك ستربح قلبها، وحسب الإنسان من لذة وهناءة في هذه الحياة قلب يخفق بحبه، ولسان يهتف بذكره.

إنها أسعدتك برهة من الزمان، فليخفق قلبك رحمة بها، بقدر ما خفق سرورًا بعشرتها.

(1) صاحب النظرات هو المنفلوطي× وصَدْرُ هذه المقالة سؤال وجه إليه، ورمز السائل لنفسه بـ: إنسان، وبعد ذلك أجابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت