الصفحة 54 من 989

لا أحسب أنها كانت تاركتك، أو غادرة بك لو أن هذا السهم الذي أصابها قد أصابك من دونها؛ فاحرص الحرص كله على ألا تكون امرأة ضعيفة أسبق منك إلى فضيلة الصدق والوفاء.

إلى من تعهد بها بعد فراقك إياها؟ وأي موطن من المواطن هيأته لمقامها؟ وما أعددت لها من الوسائل التي تستعين بها على عيشها؟ وتأنس بها في وحشتها ووحدتها؟

كيف يهنأ لك عيش، أو يغمض لك جفن؟ إذا أظلك الليل فذكرتها، وذكرت أنها تقاسي في وحدتها من الوحشة ما لا قبل لها باحتماله، وأنها ربما طلبت جرعة ماء، فلا تجد من يقدمها إليها، أو كسرة خبز، فلا تجد من يدلها عليها، أو ربما قامت من مضجعها في سكون الليل وهدوئه تتلمس الطريق إلى حاجة من حاجاتها، فأخطأ تقديرُها، فصدمها الجدار في جبينها صدمة أسالت دمها حتى امتزج بدمعها؟

أيها الإنسان: إن لم تكن عادلًا ولا وفيًا ولا محسنًا فارحم نفسك من هذا الخيال الذي لابدَّ أن سيساورك، يفت في عضدك ويزعجك من مرقدك، فإن لم تكن هذا ولا ذاك، فغيرك أخاطب؛ لأني لا أحسن إلا مخاطبة الإنسان.

إني محدثك عن صديق لي من كرام الناس وأوفيائهم تزوج امرأة حسناء؛ فاغتبط بها برهة من الزمان، ثم أصابها الدهر بمثل ما أصاب به زوجك، ولم يترك لها من ذلك النور الذاهب إلا كما تترك الشمس من الشفق الأحمر في حاشية الأفق، فلم يقنعه من الوفاء لها أَنِ استبقاها واستمسك بها، بل كان يحرص جهده على ألا تعلم أنه ينكر من أمرها شيئًا، فكان يعتب عليها في بعض الأحايين في أشياء لا يؤاخذ بها عادة إلا الناظرون المبصرون؛ يريد أن يلقي في روعها أنه لا يزال يعدها ناظرةً مبصرة، وأنه لا يرى شيئًا جديدًا عليها؛ رحمة بها، وإبقاءًا على ما كانت تحب أن تحاوله من الاعتداد بنفسها، والإدلال بمزاياها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت