فهرس الكتاب
ونحن إذا حذرنا من الإسراف في الترف لا نريد من الناس أن يكونوا على سنّة واحدة من الإعراض عن الزينة والملاذ، فقد قال _تعالى_: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق] الأعراف: 32.
وإنما نريد الدعوة إلى أخذ النفوس بالاقتصاد، وحمايتها من الحرص على الزينة واللذيذ من العيش، حتى لا تجعلها مظهر الفخار والمباهاة:
يفاخرنا بمأكول ولبس
... وذلك فخر ذي حظ هزيل
وقد سلكت هداية القرآن الكريم بالناس هذا الطريق القويم أعني طريق الاقتصاد، فبعد أن أمر في آيات كثيرة بالإنفاق في وجوه الخير نهى عن الإسراف نهيًا بالغًا، فقال _تعالى_: [وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا] الإسراء: 29.
وألحق المسرفين بقبيل الشياطين، فقال _تعالى_: [إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ] الإسراء: من27.
وعدّهم في زمرة من يستحقون بغضه، فقال _تعالى_: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] الأعراف: 3.
ونفي محبة الله كناية عن بغضه إياهم.
وأثنى الله _ تعالى _ على المصطفين من عباده بفضيلة الاقتصاد، فقال: [وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا] الفرقان: 67.
ونظر الشارع الحكيم إلى أن الإسراف يذهب بسعادة الفرد والأسرة، فشرع إقامة أولياء على أموال من لم يبلغوا سِن الرشد، أو من بلغوه وظهر عليهم السفه في تصرفاتهم، لينفق الأولياء عليهم باقتصاد، حتى يتبين رشدهم، قال _تعالى_: [فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ] النساء: 6.
وإذا كان المسرف في إنفاق ماله ملومًا أو مذمومًا فإن الذي يقترض مال غيره لينفقه في الشهوات أحق بالملام أو المذمة، قال الشاعر الحكيم: