الصفحة 63 من 989

وقد أورد ابن خلدون في مقدمته حديثًا عن الأمراض، ونبّه على أنها تكثر في أهل الحضر والأمصار؛ لِخِصَب عيشهم، وكثرة مآكلهم، وقلة اقتصارهم على نوع واحد من الأغذية، ثم نبّه على أن تلك الأمراض تقل في أهل البادية؛ لقلة مأكولاتهم، وبساطة أغذيتهم.

وإذا كانت الصحة من متممات البطولة كان حقًا على الأفراد والجماعات أن يأخذوا في مآكلهم ومشاربهم بحكمة الاقتصاد؛ فلا فضل للأمة في أن تضع على موائدها ألوانًا من الأطعمة مختلفة، وإنما الفضل في أن يكون لها رجالٌ سليمة أبدانُهم، قوية عزائمُهم، مضيئة بصائرهم.

والإسراف في الترف يقل معه النبوغ في العلم؛ ذلك أن النفس المحفوفة بالرفاهية من كل جانب، يضعف طموحها إلى اللذات العقلية؛ لأنها في لذة قد تشغلها أن تطلب لذة كلذة العلوم طلبًا يبلغ بها مرتبة العبقرية، ومن الجلي أن مرتبة العبقرية لا تدرك إلا باحتمال مصاعب، واقتحام أخطار، والمسرف في الترف ضعيف العزيمة، لا يثبت أمام المكاره والشدائد.

هذا شأن الإسراف في الترف، ولكن التاريخ قد حدثنا عن أفراد نشأوا في بيوت توفرت فيها وسائل الرفاهية، ولم يكونوا بحال المترفين المستضعفين، بل نشأوا وقد عظم في نفوسهم الطموح إلى معالي الأمور، فاحتقروا ما يسمى لذاتٍ حسيّةً، وإن كانت طَوْعَ أيمانهم وشمائلهم، وأقبلوا على العلم، أو على ضرب آخر من ضروب السيادة، فأدركوا فيه غاية قصوى، مثل عمر ابن عبدالعزيز ÷ فقد نشأ في بيت إمارة، وحينما تولَّى الخلافة استطاع بما وهبه الله من الحكمة والرويَّة أن لا يقيم للزينة والأطعمة الفاخرة وزنًا، فعاش عيشة الكفاف، وخزائن الأرض طوع يمينه، وتوفي وقد أبقى سيرة غراء، وذكرًا أطيب من ريح المسك.

ومثل أبي محمد بن حزم الذي نشأ في بيت وزارة بالأندلس، وتولَّى هو نفسه الوزارة، ثم نفض يده وانقطع للازدياد من العلم، حتى ارتقى إلى طبقة كبار العلماء بنظر مستقل، وقلم بارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت