الصفحة 62 من 989

دُعِيَ العلامة محمد بن بشير إلى ولاية القضاء بقرطبة، فاستشار بعض أصحابه في قبول الولاية، فسأله صاحبه عن أشياء؛ ليعلم مقدار قوته في العدل، ومما قاله له: كيف حبك للأكل الطيّب، واللباس اللين، والمركوب الفاره؟ قال: والله لا أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به بدني، وحملت به رحلي، قال: اقبل الولاية، فلا بأس عليك.

وأما أن الإسراف في الترف يذهب بالأمانة فلأن الغريق في الترف إنما همّه الوصول إلى زينة، أو لذة مطعم ونحوه، وكثيرًا ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي يؤتمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية.

وأما أن الإسراف في الترف يمسك الأيدي عن فعل الخير فلأن من اعتاد الترف حتى أخذ بمجامع قلبه، كان أعظمُ قصدِه من جمع المال إنفاقَه فيما يلذه من مأكول، أو يتزين به من نحو ملبوس أو مفروش.

لذلك كان الغالبُ على المترفين المسرفين قبضَ أيديهم حيث يبسط غيرهم يده إسعادًا لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة من مجاملات الإخوان، ومن هنا نستبين أن للإسراف سيئةً أخرى، هي قطع صلة التعاطف والتواد بين كثير من أفراد الأمة.

وللإسراف في الترف أثرٌ كبير في إهمال النصيحة والدعوة إلى الحق؛ ذلك أن من اعتاد التقلب في الزينة، وألفت نفسه العيش الناعم يغلب عليه الحرص على هذا الحال، فيتجنب المواقف التي يمكن أن تكون سببًا لفوات بعض النعيم، كسكوته عن كلمة حق بين يدي ذي جاه، أو سلطان يكره أن يسمع صوت الحق، ومن تَرك أن يواجه بكلمةِ حقٍّ ذا جاه، أو سلطان يخشى أن يحول بينه وبين رفاهيته _ سهل عليه أن يترك الدعوة إلى الحق جملة.

وللإسراف في الترف أثر في الصحة؛ فقد دلت المشاهدات على أن المسرف في نحو المأكل والمشرب لا يتمتع بالصحة التي يتمتع بها المقتصدون فيما يأكلون وما يشربون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت