الصفحة 61 من 989

أَمَّا أن الإسراف في الترف يدعو إلى الجبن فلأن شدة تعلق النفوس بالزينة واللذائذ من العيش يقوِّي حرصها على الحياة، ويحملها هذا الحرص على تجنب مواقع الحروب وإن كانت مواقف شرف، وذود عن النفس والعرض والمال.

شأن المحفوف بالزينة، وملاذ العيش أن تشتد كراهيته للموت، ولا يسابق إلى خوض غمار الحروب؛ لهذا ترى الرجل الذي يريد أن يجعل لشجاعة ممدوحة مزية زائدة يحدثك أنه يندفع إلى الحروب غير مبال بما تركه وراءه من لذة وزينة، كما قال الحطيئة العبسي:

إذا هم بالأعداء لم يثن عزمه

... كعاب عليها لؤلؤٌ وشنوفُ

حَصَانٌ لها في البيت زيٌ وبهجة ... ومشيٌ كما تمشي القطاة قَطوفُ (1)

وإذا كان شأن المترفين الفرار من الموت، فحق الأمة التي تريد النهوض من كبوتها أن تقلع عن الإسراف في الرفاهية، وتضع مكان الإسراف بذلًا في وجوه البر والإصلاح.

وأما أن الإسراف في الترف يسهل على النفوس ارتكاب الجور؛ فلأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال ليشبع شهواته، فلا يُبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة، فيمد يده إلى الاستيلاء على ما في يد غيره من طريق الرشوة، أو من طريق الغصب، إن كان ذا سلطان وقوة.

(1) هذان البيتان ضمن قصيدة مدح بها الحطيئة سعيد بن العاص، ومعنى قوله (وشنوف) : جمع شنف، وهو القرط الأعلى، و (الحَصان) : العفيفة، وقوله (كما تمشي القطاة..) يعني أنها قليلة المشي، مقاربة الخطو، ليست كمن اعتاد السير.

والمعنى أن الممدوح إذا أراد الغزو، فنهته امرأته عن ذلك مضى إلى سبيله، ولم يلتفت إليها، مشيرًا إلى الزينة والترف لا يذهب برجوليته، ولا يقعد به عن حماية الشرف، والكرامة. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت