فهرس الكتاب
وتقديره يختلف باختلاف أحوال الأشخاص من اليسار وقلة ما في اليد، وضابطه أن لا يتجاوز الإنسان في نحو مطعمه، وملبسه، ومسكنه، وأثاث منزله سيرةَ من يماثلونه في مقدار ما يملك، أو يكسب من المال، وهم يعيشون في مروءة، وسلامة من هموم الدين.
ولما كان الاقتصاد يقوم على عدم الإسراف في الترف اخترنا أن نجعل حديثنا في الإسراف وما يجرُّ إليه من عواقب وخيمة.
الإسراف يُفضي إلى الفاقة؛ ذلك أن المسرف يطلق يده في الإنفاق إرضاءً لشهواته؛ حتى يفقده ما عنده، وينزل إلى طبقة المقلِّين أو المعدمين، وكم من بيوت أسسها آباء مقتدرون، وعمَّروها بما يليق بها من المرافق والأمتعة، وأقاموا حولها وسائل للثروة، من نحو المزارع، أو المصانع، أو المتاجر، ثم صارت إلى أبنائهم من بعدهم وقد غلب عليهم حب الترف، فأطلقوا لشهواتهم العنان حتى أتلفوا وسائل الثروة، وتقوَّض بناء تلك البيوت، والتحق أولئك الخلف بطبقة البائسين الذين لا يجدون ما ينفقون.
وإذا وقع الرجل في الفقر بعد اليسار، تجرَّع مرارة الهوان المصحوب بحسرات.
وكذلك الأمة تملك عزتها بقدر عمارة بيت مالها، قال أبو جعفر المنصور في وصيته للمهدي: =فإنك لا تزال عزيزًا ما دام بيت مالك عامرًا+.
ومن ثمَّ كان القاضي منذر بن سعيد البلوطي يواجه الخليفة عبدالرحمن الناصر بالنهي عن الإسراف في المباني وزخرفتها، ويلقي بحضرته الخطب الزاجرة، حتى خاطبه يومًا بقوله:
يا باني الزهراء مستغرقًا
... أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنها رونقًا ... لو لم تكن زهرتها تذبل
ثم قال: اللهم اشهد فقد بلَّغت.
والإسراف في الترف ينبت في النفوس أخلاقًا مرذولة، من نحو الجبن والجور، وقلة الأمانة، والإمساك عن البذل في وجوه الخير.