الصفحة 59 من 989

كذلك من ضروب الشرف المزيف الفخر بالحسب والنسب، فهو من أسرة فلان، ومن بيت فلان، ونسيب فلان، وابن فلان، وحفيد فلان؛ فكل هذا لا قيمة له في الشرف ما لم يُدْعَمْ بالعمل النافع.

ورجل عصامي نشأ من بيت فقير، وكان أبوه نجارًا، أو حدادًا ثم أتى بعمل جليل خيرٌ من الحسيب النسيب لا يأتي عملًا، أو يأتي ما يشين.

ومثل هذا من الشرفِ المزيَّفِ الأمةُ تفتخر بماضيها، ولا تعمل لحاضرها، ومستقبلها، والشاعر العربي يقول:

إذا أنت لم تحمِ القديم بحادث ... من المجد لم ينفعك ما كان من قبل

فالذي يَشْرُف بماله، أو بمنصبه، أو نسبه، أو تأريخه شريف مزيف، ما لم يأت بأعمال شريفة من نفسه.

الشريف يحترم نفسه؛ فلا يعمل الدنيء من الأعمال، ولو أَمِنَ أن يطلع عليه أحد، ويخاف من ضميره أكثر مما يخاف من غيره، ويترفع عن الصغائر، ويَحْرِمُ نفسه من بعض المباح؛ لأنه يرى نفسه أرفع من أن تأتي بمواضع الشُبَه.

والشريف يسمو إلى الغرض النبيل، ولا يهدأ ضميره حتى يناله، أو يقرب منه.

لقد أخذت اللغة الإنجليزية من اللغة العربية كلمة (شريف) ، واستعملتها في بعض المناصب الرفيعة، وسَمَّتْ بعض المحاكم (محكمة الشرفاء) ؛ فهل يعتز العرب بهذه الكلمة، ويتخذونها أساسًا لأفعالهم؛ كما تأصلت في لغتهم؟ أرجو ذلك.

مضار الإسراف (1) للشيخ محمد الخضر حسين

تعظم الأمة، وترقى في سماء العزة والمنعة، بخصال من أكبرها أثرًا الاقتصاد في الإنفاق، والاقتصاد فضيلة بين رذيلتين: هما البخل، والإسراف.

(1) مجلة الهداية الإسلامية الجزء الأول والثاني، من المجلد الرابع عشر ، وانظر كتاب محاضرات إسلامية لفضيلة الشيخ محمد الخضر حسين جمعها وحققها علي الرضا التونسي ص140_147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت