فهرس الكتاب
كذلك هذا شأن الأمة الناجحة مع القوى الاجتماعية؛ ترى الفوضى فتنظمها، وترى الرأي العام ضعيفًا فتقويه، وترى الأضرار من بطء الآلة الحكومية فتجددها، وترى ظلمًا هنا وظلمًا هناك فتمحوه بالعدل، ولا تكتفي بالوقاية وعلاج الأمراض، بل تبعث في الأمة الحيوية والنشاط، وهكذا قانون الفرد، وقانون الأمة في النجاح والفشل واحد.
فكِّر، واعمل، وابتكر، وجاهد، وغامر، وانتهز الفرصة تنجحْ، وإلا فالموت أو شبهه.
النبوغ (1) للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي
من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها وزنًا، وأن ينظر إلى من فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق، وعندي أن من يخطئ في تقدير قيمته مستعليًا خير ممن يخطئ في تقديرها متدليًا؛ فإن الرجل إذا صغرت نفسه في عين نفسه يأبى لها من أعماله وأطواره إلا ما يشاكل منزلتها عنده؛ فتراه صغيرًا في علمه، صغيرًا في أدبه، صغيرًا في مروءته وهمته، صغيرًا في ميوله وأهوائه، صغيرًا في جميع شؤونه وأعماله؛ فإن عظمت نفسه عظم بجانبها كل ما كان صغيرًا في جانب النفس الصغيرة.
ولقد سأل أحدُ الأئمة العظماء ولدَه _ وكان نجيبًا _: أيُّ غاية تطلب في حياتك يا بني؟ وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكون ؟
فأجابه: أحب أن أكون مثلك، فقال: ويحك يا بني لقد صغَّرت نفسك، وسقطت همتك؛ فلتبك على عقلك البواكي، لقد قدّرت لنفسي يا بني في مبدأ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب؛ فما زلت أجدُّ، وأكدح حتى بلغتُ تلك المنزلة التي تراها، وبيني وبين علي ما تعلم، من الشأو البعيد والمدى الشاسع؛ فهل يسرك، وقد طلبت منزلتي أن يكون ما بينك وبيني من المدى مثل ما بيني وبين عليّ ؟
(1) مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة الموضوعة، ص238_243.