فهرس الكتاب
وكلما كان الإنسان أقوى جسمًا وعقلًا وخُلُقًَا كان أقدر على الانتفاع بالقوى المادية والروحية؛ فالإنسان استطاع أن يلجم الفرس ويركبه ويوجهه في خدمته؛ لأنه أكبر منه نفسًا وعقلًا؛ فكذلك هو يستطيع وسط الظروف الاجتماعية المتضاربة، أن يصرفها ويستغلها للخير الخاص والخير العام، فإذا خمل أو كسل أو أفلت زمام الأمور من يده لم يستطع نجاحًا، وساقته الظروف أكثر ما يسوقها هو.
فالإنسان إنما ينجح بتقوية ملكاته الداخلية، وعلمه بالقوى الطبيعية والاجتماعية التي حوله، ثم بانسجامه معها، ومعرفته كيف يستخدمها.
وإن شئت فاستعرض كل من نجح في الحياة نجاحًا حقيقيًا تَجِدْ نجاحه بمقدار تطبيقه هذه القاعدة، ولو لم يحسن التعبير عنها.
ثم شأن الأمم والحكومات شأن الأفراد؛ فلكل أمة قواها الطبيعية التي حولها، وقواها المعنوية التي تحيط بها.
فالأمة الفاشلة هي التي تكون في أرضها معادن لا تعرف كيف تستغلها، وقوى مائية لا تعرف أن تنتفع بها، وأراض زراعية لا تعرف كيف تستخرج منها أغزر ما تنتج وهكذا، ثم حولها ظروف اجتماعية ترتبك في توجيهها، وتحار في التصرف فيها، ليس لها إرادة قوية في التنفيذ، ولا رغبة صادقة في الإصلاح، تسيرها القوى الطبيعية كالريشة في الهواء، وتسيرها القوى الاجتماعية حيثما اتفق، ليست هي إنسانًا يمسك بزمام فرسه، ولكنها فرس ملجمة تقاد.
أَمَّا الأمة الناجحة فكالرجل الناجح يدرس قوى الطبيعة، ويعرف أنها لا تتغير ولا تتبدل، ولكنه كالمَلاَّح الماهر يعرف متى ينشر شراعه ومتى يطويه، وكيف يسير سفينته وإلى أي اتجاه، يعرف أنه لا قدرة له على تغيير الرياح، ولكن له قدرة على استخدامها في مصلحة سفينته.