فهرس الكتاب
وحيث ترجح من خلال دراسة مسألة وقف الدراهم والدنانير القول بجواز وقف الدراهم والدنانير وصحته للإقراض أو الاتجار، والتصدق بالربح على جهة الوقف، فإنه يترجح هنا أيضًا صحة وقف العملة الورقية، لما يأتي:
أولًا: أن العملة الورقية حلت محل العملة المعدنية في الثمنية، فأصبحت تنوب منابها في كل ما كانت توظف له من معرفة قيم الأشياء وتبادل السلع وغير ذلك ·
ثانيًا: أن النقود الورقية كالنقود المعدنية من المثليات التي لا تتعين بالتعيين بحيث يحل بدلها محلها ويقوم مقامها، وعلى هذا يتحقق فيها التأبيد وينتفي ما تمسك به المانعون من أنها تتلف أو تستهلك بالاستعمال· وهذا هو ما قرره كثير من الفقهاء كما سبق ·
ثالثًا: أنه يتحقق في وقف النقود مقصود الشارع ومصلحة الواقف والموقوف عليه · فيتحقق مقصود الشارع بوقف مال يستثمر مع بقائه ويصرف ربحه في أعمال البر · ومصلحة الواقف بفتح باب من أبواب الوقف المتيسر له، إذ ليس كل يملك عينًا يمكن وقفها، وقد لا يستطيع شراء عقار ونحوه ليوقفه· وهكذا يتحقق مصلحة الموقوف عليهم بفتح باب من أبواب الإنفاق المستمر، والعين الجارية عليهم، وهو ربح أو ريع النقود الموقوفة المستثمرة بوجه من وجوه الاستثمار المباحة الممكنة كالمضاربة وغيرها·
رابعًا: أن القول بجواز وقف النقود يفتح الباب أمام أصحاب النقود القليلة لإيقاف ما يقدرون عليه من نقود عن طريق فتح باب المساهمة ولو بالقليل في مشروع وقف نقدي لإقراض هذا النقد للمحتاج بعد أخذ الاحتياطات لردّه، أو لاستثماره في المضاربة وغيرها، وتوزيع الربح على جهة الوقف ·
وعلى هذا فالوقف النقدي: (متاح للناس بدرجة أكبر من غيره فجماهير الناس تمتلك ثروات أو دخولًا نقدية بغض النظر عن قلتها أو كثرتها، بينما الكثير منهم لا يمتلك أراض أو عقارات) (1) ·
خامسًا: أنه أكثر قابلية من غيره لقيام الوقف المشترك أو الوقف الجماعي، وهو اليوم أكثر ملاءمة من الوقف الفردي، كما أنه أكثر أهمية منه؛ لعظم ما يوفره من موارد وأموال وقفية تمكن من إقامة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة (1) ·
سادسًا: أن الوقف النقدي لغرض استثماره، وتوزيع أرباحه على الموقوف عليهم، ينشط الحركة الاقتصادية في البلد، ويشغل ثلة من أفراد المجتمع، ويسد حاجة كثير من