فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 5

وأمام هذا الضغط الهائل، والإلحاح الشديد، لا يسعني إلا أن أجتهد رأيي، ولا آلو. فأقول:

أولًا: السؤال مبني على إشكالية الموقف من الحكام. الحكام ثلاثة:

1 -حاكم مسلم، عادل، بَرٌّ، مقسط: فتجب طاعته، ومحبته، ونصرته، والسمع والطاعة له.

2 -حاكم ظالمٌ، غشوم، فتجب طاعته بالمعروف، والصبر على جوره، وعدم الخروج عليه، مع بذل الجهد في نصحه، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر.

وعلى هذين الصنفين، يتنزل حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ) . قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: (لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاَتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلاَ تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) رواه مسلم.

3 -حاكم كافر، استبان كفره، أو منافق، نجم نفاقه، فيجوز الخروج عليه مع القدرة. وعليه يتنزل حديث عبادة بن الصامت، قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ. فَقَالَ، فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا، بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [متفق عليه] . ... فاشترط لجواز الخروج على الحاكم شروطًا ثقالًا:

أحدها: الرؤية المحققة؛ علميةً، أو بصرية. فلا ييني على البلاغات، والإشاعات المرسلة.

الثاني: كونه كفرًا، لا فسقًا، أو ظلمًا.

الثالث: كونه بواحًا؛ أي ظاهرًا، مستعلنًا، لا خفيًا، مستترًا.

الرابع: ثبوت البرهان القاطع؛ من آية محكمة، أو سنة ثابتة، على كفره.

ويبقى شرط إضافي دلت عليه نصوص أخرى، وهو القدرة. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [النساء: 77]

والناظر في حال كثيرٍ من حكام المسلمين، اليوم، يجزم بأنهم لا ينتمون إلى الصنف الأول، كما لا يجزم بانطباق شروط الصنف الثالث عليهم. وأقرب الأحوال إليهم، حال الصنف الثاني.

وقد جربت مصر، حرسها الله، الأصناف الثلاثة، في تاريخها الإسلامي؛ فحكمها الصحابة الكرام، وحكمها العبيديون الكفرة اللئام، وحكمها سلاطين كثر؛ من الأخشيديين، والأيوبيين، والمماليك، والخديوية، فيهم ظلم، وغشم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت