فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 5

ثانيًا: كان من طريقة بعض السلف المتقدمين، من التابعين، تجويز الخروج على الحاكم الظالم، الجائر، كما صنع الفقهاء، والقراء، في فتنة ابن الأشعث، وفيهم الشعبي، وسعيد بن جبير - رحمهما الله - وجمع من التابعين، حين خرجوا على الحجاج بن يوسف الثقفي، فكسرهم في وقعة دير الجماجم، سنة ثنتين وثمانين للهجرة. فاستقر مذهب أهل السنة والجماعة على طاعة الأمراء؛ أبرارًا، كانوا، أم فجارًا، ما لم يأمروا بمعصية الله، والصلاة خلفهم، والجهاد، والحج معهم، حقنًا للدماء، وتسكينًا للدهماء.

ولا ريب أن التنظير بين حال الحجاج، وأشباهه، وحال بعض حكام المسلمين اليوم، غير منطبق من كافة الوجوه. فالجوَرة الأولون يحتكمون إلى الشريعة، ويحملون الناس عليها، والجوَرة المتأخرون، يُقصون الشريعة، ويستعيضون عنها بالقوانين الوضعية، ويحملون الناس عليها، ويوالون أعداء المسلمين، ظاهرًا، أو باطنًا.

ثالثًا: ويبقى النظر في طريقة الإنكار، وطلب الحقوق. فلا ريب أن المناصحة، والاحتساب، مسلك مشروع، ولو أدى بالفرد الناصح إلى زهوق الروح، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره، ونهاه فقتله) [رواه الترمذي، والحاكم، وقال صحيح الإسناد. وصححه الألباني] .

وحين اتصل العالم الإسلامي، بالعالم الغربي، تأثر به في بعض طرائق التعبير، التي لم تكن معهودة في ماضيه. ومن ذلك أسلوب (المظاهرات) التي يعتبرها الغرب حقًا مشروعًا للشعوب، للتعبير عن مطالبهم، ويضمِّنونها دساتيرهم، ومعاهداتهم الدولية، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل يرون لزامًا على الدولة أن تحميها، وتدافع عن مسيِّريها، شرط أن تتم ضمن إطار سلمي.

فلما تسربت هذه الممارسة الغربية، الغريبة، إلى مجتمعات المسلمين، كما يحدث في مصر الآن، تمت بغير الصيغة المقبولة عالميًا؛ حيث صاحبها إفساد، وتحريق، وتخريب، واستغلها لصوص، وقطاع طريق (بلطجية) ، وشوهها مندسون مأجورون، كما قوبلت بخلاف المعايير العالمية؛ جوبهت بالعنف، والقتل، والجراحات. فباتت فاقدة للصفة النقية، مفتقرة للمستند الشرعي. وأفضت إلى فساد عريض، واحتراب داخلي، وفتنة عمياء؛ لا يدري القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قٌُتل.

وتأسيسًا على ما تقدم: ... فلا أرى الانخراط في هذه التظاهرات، ولا تعريض النفس والمجتمع لمفاسد محققة، في سبيل مصالح مظنونة. وغاية ما ستتمخض عنه، والله أعلم، تنحية فلان، ومحاكمة علان، ثم الدخول في نزاع سياسي، بين مختلف الفرقاء الذين يحملون توجهات متناقضة؛ ما بين إسلامي، وعلماني، وليبرالي، وبراجماتي.

كما لا يجوز التصدي لهؤلاء المتظاهرين بالضرب، والقتل، بل يسأل الله العافية، ولا يذكي نار الفتنة، ويسعى لحفظ حرمات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت