فهرس الكتاب
فعملوا له نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذى شرطت لنا، وما عملنا باطل . فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا... واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذى شرطت لهم من الأجر، فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر، قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذى جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم، فإن ما بقى من النهار شىء يسير فأبوا... فاستأجر قوما يعملون له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور" (البخارى) . تدبر الجملة الأخيرة"ما قبلوا من هذا النور"، إنها تشرح حالتهم كلها لقد أوتي اليهود كتابهم ؛ ليعملوا به، وليحكموا بين الناس بما فيه من حق (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) . وأوتى النصارى كتابهم كذلك ؛ ليعملوا به، وليجمعوا من قبلهم ومن معهم عليه: (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) . لكن هذا النور الهادى ما كاد يشتعل بين أيديهم حتى انطفأ، فما وفى أصحاب موسى ولا أصحاب عيسى بعهودهم، ولا استقاموا طويلا مع رسالتهم . والأمم تتنكر لرسالاتها حين تدع الهوى يغلب الهدى، والباطل يهزم الحق، فتبقى كتبها معها ولكن معطلة مثل مواثيق الأمم المتحدة التى صيغت بدقة وعصيت بإصرار !. وقد يبلغ التنكر أن يتطرق الباطل إلى النصوص نفسها بالتحريف والمسخ، وهنا الطامة.. فإن معناه كسر المصابيح وذهاب أشعتها، وسيادة الظلام . والعالم يستحيل أن يستفيد من هذه الأحوال إلا الخبط والشر . والواقع أن ديانة موسى ذهبت، وحلت مكانها نحلة أخرى . ص _139"