فهرس الكتاب
وقد تضطرب المجتمعات الإنسانية، ويختل ميزانها وتنقسم إلى أشراف وسوقة، أو سادة ورقيق . والإسلام طبعا عدو لهذه القسمة الجائرة . وقد بلي في مكة باختبار لموقفه من هذه الحال ، وكان ذلك لأول عهده بالحياة ووطأة الهاجمين عليه من أصحاب الحول والطول . . إن دخول المستضعفين في هذا الدين أزعجهم، وخافوا مغبته، فأرسلوا لمحمد صلى الله عليه وسلم يقولون: اطرد هؤلاء عنك ونحن لا نرى بأسا من اعتناق دينك، فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم هذا العرض . فبعثوا إليه مرة أخرى يقولون له: إن لم يكن من بقائهم بد ، فليكونوا في مؤخرة الصفوف ونتولى نحن الصدارة . ففكر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا العرض الجديد . إن الصدارة إنما يظفر بها أهل الكفاية، وأصحاب السبق في الإيمان والعمل . أيمكن أن نكل المؤمنين إلى إيمانهم، ونتألف هؤلاء الأقوياء بإجلاسهم في مكان الصدارة، حتى إذا تشربت أفئدتهم الإيمان كاملا تركوا هذه العنجهية من تلقاء أنفسهم..؟؟. وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المقابلة نزل الوحى يحسم القضية كلها (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ، وكذلك فتنا بعضهم ببعض) . وهكذا ألقت السماء كلمتها، إن المبادئ لا يضحى بها- ولو من ناحية الشكل- ومن ص _049