فهرس الكتاب
أجل مع هذا الإقرار السمح، لا يبطئ المؤمن في الانتقال إلى عالمه الجديد، حيث يسلم وجهه لله وحده، ويتحرك فوق ظهر هذه الأرض وفق ما يطلب منه مولاه . فهو محكوم في امتداده وانكماشه وحبه وبغضه وسلمه وحربه بحدود الحلال والحرام والثواب والعقاب. وطلب الزلفى من ربه، والوجل من طرده ... هذا الإيمان ينشئ حياة جديدة كل الجدة ..! إننا نعد الزنجى التائه في مجاهل أفريقية إنسانا متأخرا جدا بالنسبة إلى زميله عالم الذرة في أرقى البيئات . ففكرة أحدهما عن الكون والحياة تغاير كل المغايرة فكرة الآخر، ولا شك أن مسافة التخلف بين هذا وذاك بعيدة . إن هذا البعد يساوى كذلك مسافة التخلف بين امرئ يعرف الله وآخر يجهله . . إن ذلك المرء الغافل عن ربه- مهما ارتقى وضعه المادى- حيوان ضائع ... ربما كان حيوانا ذكيا في بعض الأمور، بيد أن جهله بالله هوى به إلى أسفل سافلين، فهو ليس متأخرا فقط، إنه ميت ولو حلق في أجواء الفضاء . . إن الجهل بالله ظلمة كالحة السواد شديدة الوحشة ولذلك يقول الله: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) . والفارق بين المؤمن والكافر يتضح من هذا الوصف الذى قررته الآية فللمؤمن نوره الذى يمشى به بين الناس . . ترى ما هذا النور النابع من حياة الإيمان ؟ إنه نور الضمير المشع في حناياه يعرف به الخير من الشر، ويميز المعروف من المنكر . . وهل يرجح الإيمان ويستحق التكريم إلا بهذه الميزة ؟ ص _079