فهرس الكتاب
قال عز وجل: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ، إنها ساءت مستقرا ومقاما) . في هذه الآيات ذكر للأوصاف التى ترشح أصحابها ؛ ليكونوا عبادا للرحمن، فإن النسبة إلى الرحمن مكانة لا يدركها كل إنسان، وإنما يبلغها من أعد لها عدتها وسعى لها سعيها . وترى الحديث في هذه الآيات تناول أطرافا من الأخلاق والعبادات والعقائد، ففى الآية الأولى إشارة لفضيلة مزدوجة تضم إلى التواضع للناس الترفع عن السفهاء. وهى توصى المسلم أن يكون هينا لينا، مسالما وإن استفزه الجاهلون واستثاروه للخصام . وفى الآية الثانية حديث عن الليالى البيضاء، ليالى الأنس بالله، وتلاوة وحيه، وإظهار الخضوع له، والليل بطبيعته سكن للخلائق، بيد أن الإسلام يستحب استقباله بعبادة، والنهوض منه إلى عبادة . وفى الحديث عن عثمان بن عفان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام الليل كله" (مالك) . وصفاء الروح بالصلاة السابقة والصلاة اللاحقة، وبما يرغب فيه المرء من تهجد، يعين عليه شىء آخر، أن يستقبل المرء نومه وهو نظيف طاهر . فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"طهروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس من عبد يبيت طاهرا إلا بات في شعاره ملك لا ينقلب ساعة من الليل إلا قال اللهم اغفر لعبدك فإنه بات طاهرا" (الطبرانى) . والآيتان الأخيرتان فيهما إشارة إلى خوف المسلم من عذاب جهنم، وهو عذاب يجب أن يحذر ويحتاط منه . والواقع أن العقوبات المعجلة، أو المؤجلة سياط لابد منها لقمع الغرائز الشرسة في الحياة الإنسانية . ص _106