فهرس الكتاب
الحنطة لغيرهم، وهو قوتهم ومادتهم. وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم، فإنه متين الجسم .. لذيذ الطعم .. صادق الحلاوة. والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة، وهو يوافق أكثر الأبدان، مقو للحار الغريزي، ولا يتولد عنه من الفضلات الرديئة ما يتولد عن غيره من الأغذية والفاكهة، بل يمنع لمن اعتاده من تعفن الأخلاط وفسادها.
وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاص كأهل المدينة ومن جاورهم، ولا ريب أن للأمكنة اختصاصًا ينفع كثير من الأدوية في ذلك المكان دون غيره، فيكون الدواء الذي قد نبت في هذا المكان نافعا من الداء، ولا يوجد فيه ذلك النفع إذا نبت في مكان غيره لتأثير نفس التربة أو الهواء أو هما جميعًا، فإن للأرض خواص وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الإنسان، وكثير من النبات يكون في بعض البلاد غذاء مأكولًا، وفي بعضها سمًا قاتلًا ورب أدوية لقوم أغذية لآخرين، وأدوية لقوم من أمراض هي أدوية لآخرين في أمراضٍ سواها، وأدوية لأهل بلاد لا تناسب غيرهم ولا تنفعهم.
وأما خاصية السبع، فإنها قد وقعت قدرًا وشرعًا، فخلق اللَّه عزَّ وجلَّ السموات سبعًا، والأرضين سبعًا، والأيام سبعًا، والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار، وشرع اللَّه لعباده الطواف سبعًا، والسعي بين الصفا والمروة سبعًا، ورمي الجمار سبعًا سبعًا، وتكبيرات العيدين سبعًا في الأولى، وقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (( مروه بالصلاة لسبعٍ ) )، (( وإذا صار للغلام سبع سنين خير بين أبويه ) )، وفي راوية أخرى (( أبوه أحق به من أمة ) )، وفي ثالثه (( أمه أحق به ) )، وأمر النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في مرضه (( أن يُصب عليه من سبع قرب ) )، وسخر الله الريح على قوم عادٍ سبع ليالٍ، ودعا النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يعينه اللَّه على قومه بسبعٍ كسبع يوسف، ومثَّل الله سبحانه ما يضاعف به صدقه المتصدق بحبةٍ أنبتت سبعَ سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والسنابل التي رآها صاحب يوسف سبعًا، والسنين التي زرعوها دأبًا سبعًا، وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة، ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حسابٍ سبعون ألفا. فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معاني العد كله وخواصه، فإن العدد شفع ووتر، والشفع أول وثان، والوتر كذلك، فهذه أربع مراتب: شفع أول وثان، ووتر أول وثان، ولا تجتمع هذه المراتب في أقل من سبعة، وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة، أعنى الشفع والوتر والأوائل والثواني. وللأطباء اعتناء عظيم بالسبعة، ولا سيما في البحارين، وقد قال أبقراط: كل شي في هذا العالم فهو مقدر على سبعة أجزاء، والنجوم سبعة، والأيام سبعة، وأسنان الناس سبعة: أولها طفل إلى سبع، ثم صبي إلى أربع