وقد قال بعضهم: إن حكم تعلم اختلاف المطالع يتجه أن يكون كتعلم أدلة القبلة حتى يكون فرض عين في السفر، وفرض كفاية في الحضر [1] .
ويستدل الذين يقولون باختلاف المطالع بحديث كُرَيب عند مسلم والذي فيه أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَقُلْتُ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَنْتَ رَأَيْتَهُ فَقُلْتُ نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ فَقُلْتُ أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فَقَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَكَّ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي نَكْتَفِي أَوْ تَكْتَفِي. (مسلم: 1819)
وقد فهم منه بعضهم أن اكتفاء ابن عباس برؤية أهل المدينة وعدم أخذه برؤية أهل الشام دليل على اختلاف المطالع، فلا يصوم أهل بلد برؤية بلد آخر، وكذا الإفطار.
وقول ابن عباس رضي الله عنه:"لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم"مخالف للمرفوع الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح. وإن كان قول ابن عباس يأخذ حكم المرفوع ولكنه غير صريح بذلك - في مثل هذه المسألة - لاحتمال أنه فهمه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويرحم الله الشوكاني إذ قال:"واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عند الناس، والمشار إليه بقول: (لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) هو (فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين) والأمر الكائن من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما أخرجه"
(1) - انظر إعانة الطالبين لأبي بكر الدمياطي، دار الفكر، 2/ 220.