فهرس الكتاب
وهذا الرجل يقضى حوائج المسلمين ، وهو سفير بيننا وبين خليفتنا ، وهذا من البر. فآمن على قوله ورضوا به.
هذا التسامح مع المخالفين في الدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين ، وتم لهم به النصر والغلبة ، أمر لم يُعهَد في تاريخ الديانات ، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم:
ففى ذلك يقول جوستاف لوبون: "رأينا من آى القرآن التى ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية ، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التى ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص ، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته".
ويقول (شارلكن) : "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وأنهم مع امتشاقهم السيف نشرًا لدينهم ، تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية".
يقول المؤرخ الأمريكى سكوت: "كان دفع الجزية يضمن الحماية لأقل الناس ، وكان يسمح للورع المتعصب أن يزاول شعائره دون تدخل ، كما يسمح للملحد أن يجاهر بآرائه دون خشية المطاردة ، وكان الأحبار يزاولون شؤونهم في سلام".
ويستشهد الدكتور ا.س. ترتون مؤلف "أهل الذمة في الإسلام" بشهادة البطريرك النصرانى (عيشويابه) : "إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون. إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية ، بل يمتدحون ملتنا ، ويوقرون قديسينا وقسيسينا ، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا".
والظاهر أن الاتفاق الذى تم بين (عيشويابه) وبين العرب نصَّ على وجوب حمايتهم من أعدائهم ، وألا يحملوا قسرًا على الحرب من أجل العرب ، وألا يؤذوا من أجل الاحتفاظ بعبادتهم وممارسة شعائرهم ، وألا تزيد الجزية المجبية من الفقير على أربعة دراهم ، وأن يؤخذ من التاجر والغنى اثنا عشر درهمًا وإذا كانت أَمَة نصرانية في خدمة مسلم ، فإنه لا يحق لسيدها أن يجبرها على ترك دينها أو إهمال صلاتها والتخلى عن صيامها.