الصفحة 483 من 601

ومنها أنه ربما كان في الجواب ما يكرهه السائل ويسوؤه ولهذا أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم} كما صرح به في الحديث في سبب نزولها. ومنها أنهم ربما أجفوه صلى الله عليه وسلم بالمسألة والحفوة المشقة والأذى فيكون ذلك سببًا لهلاكهم، وقد صرح بهذا في حديث أنس المذكور في الكتاب في قوله:"سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة"إلى آخره، وقد قال الله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاَخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا} .

قوله صلى الله عليه وسلم:"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته"وفي رواية:"من سأل عن شيء ونقر عنه"أي بالغ في البحث عنه والاستقصاء. قال القاضي عياض: المراد بالجرم هنا الحرج على المسلمين لا أنه الجرم الذي هو الإثم المعاقب عليه لأن السؤال كان مباحًا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"سلوني"هذا كلام القاضي، وهذا الذي قاله القاضي ضعيف بل باطل، والصواب الذي قاله الخطابي وصاحب التحرير وجماهير العلماء في شرح هذا الحديث أن المراد بالجرم هنا الإثم والذنب، قالوا: ويقال منه جرم بالفتح واجترم وتجرم إذا ثم، قال الخطابي وغيره: هذا الحديث فيمن سأل تكلفًا أو تعنتًا فيما لا حاجة به إليه، فأما من سأل لضرورة بأن وقعت له مسألة فسأل عنها فلا إثم عليه ولا عتب لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} قال صاحب التحرير وغيره: فيه دليل على أن من عمل ما فيه إضرار بغيره كان آثمًا.

قوله صلى الله عليه وسلم:"عرضت علي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"فيه أن الجنة والنار مخلوقتان وقد سبق شرح عرضهما. ومعنى الحديث لم أر خيرًا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة ولا شرًا أكثر مما رأيته اليوم في النار، ولو رأيتم ما رأيت وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم وقبل اليوم لأشفقتم إشفاقًا بليغًا ولقل ضحككم وكثر بكاؤكم. وفيه دليل على أنه لا كراهة في استعمال لفظة لو في مثل هذا والله أعلم. قوله:"غطوا رؤوسهم ولهم خنين"هو بالخاء المعجمة هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة ولبعضهم بالحاء المهملة، وممن ذكر الوجهين القاضي وصاحب التحرير وآخرون قالوا: ومعناه بالمعجمة صوت البكاء وهو نوع من البكاء دون الانتحاب، قالوا: وأصل الخنين خروج الصوت من الأنف كالحنين بالمهملة من الفم. وقال الخليل: هو صوت فيه غنة. وقال الأصمعي: إذا تردد بكاؤه فصار في كونه غنة فهو خنين. وقال أبو زيد: الخنين مثل الحنين وهو شديد البكاء. قوله: (فلما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول سلوني برك عمر فقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك) قال العلماء: هذا القول منه صلى الله عليه وسلم محمول على أنه أوحي إليه وإلا فلا يعلم كل ما سئل عنه من المغيبات إلا بإعلام الله تعالى. قال القاضي: وظاهر الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم سلوني إنما كان غضبًا كما قال في الرواية الأخرى: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب ثم قال للناس سلوني) وكان اختياره صلى الله عليه وسلم ترك تلك المسائل لكن وافقهم في جوابها لأنه لا يمكن رد السؤال، ولما رآه من حرصهم عليها والله أعلم. وأما بروك عمر رضي الله عنه وقوله فإنما فعله أدبًا وإكرامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهلكوا، ومعنى كلامه رضينا بما عندنا من كتاب الله تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واكتفينا به عن السؤال ففيه أبلغ كفاية قولهم: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى والذي نفس محمد بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط) أما لفظة أولى فهي تهديد ووعيد، وقيل كلمة تلهف، فعلى هذا يستعملها من نجا من أمر عظيم، والصحيح المشهور أنها للتهديد ومعناها قرب منكم ما تكرهونه. ومنه قوله تعالى: أولى لك فأولى"أي قاربك ما تكره فاحذره مأخوذ من الولي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت