الصفحة 17 من 48

و يتبين مما ذكرناه عن مواقف الصحابة من الفتنة ان منهم من بايع عليا و قاتل معه ،و منهم من بايعه و لم يقاتل معه ،و منهم من بايعه و قاتله-كطلحة و الزبير- و منهم من لم يبايعه و قاتله -أهل الشام- . مع أن الغالبية الساحقة من الصحابة قد اعتزلت الفتنة و لم تشارك فيها .و قد ذهب الباحث أبو الأعلى المودودي إلى القول بان المعتزلين للفتنة كانت نواياهم حسنة أملا في درئها ، غير أن موقفهم منها أدى إلى تفاقمها ، وبث الشك في قلوب الناس ،و كان على الأمة أن تتعاون مع علي بن أبي طالب ، لاستعادة الأمن و السلام للخلافة (1) . و أقول-ردا عليه-: إن الأمر على عكس ما ذهب إليه المودودي ، لأن المعتزلين للفتنة احتجوا بأحاديث صحيحة عن الرسول-صلى الله عليه و سلم- مدحهم فيها و صوّب رأيهم (2) . لكن الذين خاضوها لم يحتجوا باحاديث للنبي -عليه الصلاة و السلام - ، و إنما اعتمدوا على آرائهم و اجتهاداتهم (3) . كما أن مشاركة المعتزلين للفتنة في الحرب مع علي ما كانت لتوقف الحرب بل تزيدها ضراوة لأن كل أطراف الحرب كانت مصرة على مواقفها . أليس عدم خوضهم فيها أضعفها ،و جنّب كثيرا من الناس الاكتواء بها ؟ فهل يصح بعد هذا أن يقال أن اعتزالهم للفتنة زاد في تفاقمها ؟ مع العلم أن المعتزلين للحرب لم ينكروا حق علي في الخلافة و أهليته لها ،و إنما خالفوه عندما عزم على القتال ،و هم لم يكونوا على استعداد للخوض في دماء المسلمين و ترك قناعاتهم ،و ما سمعوه من الرسول-صلى الله عليه و سلم- ،و يتبعون عليا في رأي رآه ، خالفه فيه كثير من كبار الصحابة .و هو في إصراره على القتال لم يحقق ما كان يرجوه ، فلا هو اقتص من قتلة عثمان ،و لا انتصر على أهل

(1) الخلافة و الملك ص: 76-77 .

(2) سيأتي ذكرها قريبا ، و انظر: البخاري: صحيح البخاري ، الجزائر ، دار الشهاب ج8 ص: 92

(3) الذهبي: الخلفاء الراشدون ص: 389 . و ابن تيمية: منهاج السنة ج3ص: 156، 220-221 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت