فهرس الكتاب
و يرى ابن تيمية ان من قاتل عليا كان باغيا ، لكن بغيه لا يخرجه من الإيمان ،و لا يوجب له النار ،و لا يمنعه من الجنان ، لأن البغي إذا كان بتأويل فصاحبه مجتهد ،و قد اتفق أهل السنة على أنه لا تفسّق أية طائفة من الطائفتين ،و إن كانت إحداهما باغية ، لأنهم متأوّلون مجتهدون ، و المجتهد المخطئ لا يكفّر و لا يفسّق ،و إن تعمد البغي فهو ذنب من الذنوب ، يرفع عقابه بالتوبة و الحسنات الماحية ،و المصائب المكفرة ،و شفاعة الرسول ،و دعاء المؤمنين (1) .
و جاء في صحيح البخاري أن الرسول -عليه الصلاة و السلام- قال عن الحسن بن علي: (( إن ابني هذا سيد و لعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين ) ) (صحيح البخاري ج8 ص: 98-99) ، فأصلح الله به بين أهل العراق و الشام ، و يدل مدح رسول الله للحسن بالإصلاح بين الطائفتين المسلمتين ، على أن الإصلاح هو المحمود ، و لو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يكن تركه محمودا (2) .
و أشير هنا إلى أن أئمة أهل السنة ، كمالك و الأوزاعي و أحمد ، لم يصوّبوا القتال في موقعتي الجمل و صفّين ، لأنه كان قتال فتنة ، غير مأمور به ،و تركه خير من فعله (3) . فعلي لم يكن ملزما بقتال أهل الشام ، لمجرد امتناعهم عن بيعته ، مع كونهم ملتزمين بشعائر الإسلام ،و يطالبون بحق شرعي ، كما أن أهل الشام لم يكن لهم أن يمتنعوا عن بيعته و طاعته ، بل كان عليهم أن يبايعوه و يضعوا يدهم في يده . و على كل فإن الطائفتين مؤمنتان متأولتان يستغفر لهم كلهم و يترحّم عليهم ، لقوله تعالى: (( و الذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ،و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) )-سورة الحشر/10-.
(1) ابن تيمية: منهاج السنة ج2 ص: 220 .
(2) نفسه ج2 ص: 220 .
(3) نفس المصدر ج 1ص:144، ج4ص:281 .