الصفحة 24 من 48

و يتبيّن مما ذكرناه ، أن النصوص الشرعية قد حذّرت من الفتنة ،و حثّت على اعتزالها ، و صنّفت المسلمين إلى أربع طوائف ، أولها اعتزلت القتال ، و قد مدحها الرسول -عليه الصلاة و السلام - على موقفها .و ثانيها و ثالثها طائفتان مسلمتان اقتتلتا عن اجتهاد ، لكل منها تعلق بالحق ، لكن طائفة العراق كانت أقرب إلى الحق من طائفة أهل الشام . و رابعها طائفة مارقة ، جاءت الأحاديث في ذمها و قد قاتلها الإمام علي . مع العلم أن المعتزلين للفتنة المبايعين لعلي لم يقاتلوا معه ، لأنهم فرّقوا بين صحة إمامته ،و بين وجوب القتال معه ، فلا يلزم كونه إماما صحة قتاله لأهل مكة و الشام (1) . و أما الآيات و الأحاديث المتعلقة بالفتنة فهي معالم هادية ،و ضوابط شرعية تعصم الإنسان من الانحراف عن الجادة ،و تمنعه من السقوط في مهاوي الرفض و النصب ،و تنير له طريق أهل السنة ، و تمكنه من معرفة حكم الشرع في القتال الذي جرى بين المسلمين في موقعتي الجمل و صفين .

الفصل الثاني:

مسالة التحكيم في موقعة صفّين (37ه)

أولا: موقف أهل العراق من دعوة أهل الشام إلى الصلح:

لما طالت حرب صفّين بين الطائفتين المسلمتين (سنة:37ه) ،و اشتد الحال على أهل الشام ،و ترجّحت كفة أهل العراق، اقترح عمرو بن العاص على معاوية -رضي الله عنهما- رفع المصاحف ، فوافقه و أمر جيشه برفعها ، فرفعها أهل الشام و دعوا إلى الاحتكام إلى كتاب الله (2) . فما هو موقف الإمام علي و أصحابه من دعوة هؤلاء إلى وقف القتال ؟ ،و ما هو مضمون اتفاق وقف القتال ؟ .

(أ ) موقف الإمام علي و أصحابه من وقف القتال:

(1) محمد آمحزون: المرجع السابق ج 2 ص: 169 .

(2) الطبري: المصدر السابق ج 3 ص: 101 . و اليعقوبي: المصدر السابق ج2 ص: 134 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت