فهرس الكتاب
و مما يزيد الأمر وضوحا ،و يدل على أن الخوارج كانوا رافضين للصلح ابتداء ،و لم يرفضوه بعد صفّين ، ان هناك روايات ذكرت ذلك ، أولها أن الذي أجبر عليا على وقف القتال و الصلح هو الأشعث بن قيس ،مع كثير من أهل اليمن، و ليس القراء و إنما هم -و على رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي- أنكروا على الإمام علي قبوله التحكيم ، و قالوا له: إنك أوصلتنا إلى الفرقة و المعصية و الذل في الدنيا و الآخرة ، ثم دعوه إلى قتال عدوهم ( ابن قتيبة: المصدر السابق ج1 ص: 190) .و الرواية الثانية ، فيها أنه لما حمل الأشعث بن قيس كتاب الصلح ليقرأه على الناس ،و مر بطائفة من بني تميم و قرأه عليهم ، قال له رجل يعرف بعروة بن أدية: (( تحكّمون في أمر الله عز و جل الرجال ، لا حكم إلا لله ، ثم شد بسيفه و ضرب عجز دابته ضربة خفيفة و اندفعت الدابة ، و صاح به أصحابه: أن أملك يدك ، فرجع ) )، فغضب للأشعث قومه و أناس كثير من اليمن ، و كاد الأمر ان يؤدي إلى فتنة لولا تدخل العقلاء (الطبري: المصدر السابق ج3ص: 104 ) . فهذه الرواية صريحة في أن الرجل الرافض للصلح هو من القراء -الخوارج- لأنه رفع شعارهم: لا حكم إلا لله .و هذه الحادثة كانت قبل الانتهاء من معركة صفين .
و الرواية الثالثة مفادها أن عليا لما أراد إرسال ممثله للتحكيم المتفق عليه ،أتاه رجلان من الخوارج ، هما: زرعة بن برج الطائي و حرقوص بن زهير السعدي ،و طالباه بالتوبة عن خطيئته ،و بالرجوع عن التحكيم ،و الخروج إلى مقاتلة عدوهم ، فقال لهما: إنكم قد عصيتموني في البداية ، و أنه قد اعطى العهد و لا يستطيع نكثه (1) .فهذه الرواية تشير إلى أن الخوارج كانوا رافضين للصلح قبل أن يجتمع الحكمان ،.و فيها -أيضا - نقض دعوى ان عليا اتفق مع الخوارج ،و أنه تاب عما صدر منه ،و ان الخوارج بايعوه من جديد ،و دخلوا معه إلى الكوفة .
(1) الطبري: المصدر السابق ج3 ص: 113 .