الصفحة 34 من 48

و أما ثانيا ، فإن هذه الروايات لم تتفق على المصدر الذي يحتكم إليه الحكمان ، فالأولى نصت على أنهما يحتكمان إلى الكتاب أولا ، ثم السنة ثانيا . و الثانية اكتفت بذكر الكتاب دون ذكر لشيء آخر .و الثالثة أكدت على ضرورة الاحتكام إلى القرآن الكريم دون غيره ، فلا يتجاوز و لا يحاد عنه . أفلا يبعث هذا التباين الواضح الغريب على الشك في صحة هذه الروايات ؟ و ألا يدل ذلك على تلاعب الإخباريين بها ؟ .

و ثالثا أن هذه الروايات قد أشارت إلى المصدر الذي يحتكم إليه الحكمان ، لكنها ضربت صفحا عن الموضوع الذي يناقشانه و يبتان فيه ، . أليس من الغريب جدا أن لا يذكر موضوع النزاع الذي يبحث له الحكمان عن حل ! ؟ . لكن الرواية الثالثة لمّحت لذلك بطريقة غامضة حين قالت: (( فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن ،و يخفضا ما خفض القرآن ، و أن يختارا لأمة محمد -صلى الله عليه و سلم- ) ) (1) . لكنها لم تقل لنا ماذا يختار الحكمان لأمة محمد ، فهل يختاران لها حلا لقضية قتلة عثمان التي أوصلت المسلمين إلى الاقتتال ، أم يختاران لها خليفة جديدا يتولى أمر الناس ؟ . ليس لتلك الروايات إجابة عن هذا الإشكال ، مما يدل على تلاعب الرواة بها . لكن هذا الإشكال أزالته رواية أخرى رواها الذهبي حددت موضوع التحكيم صراحة ، و فيها أن عليا و معاوية -رضي الله عنهما- قد نصا في وثيقة الصلح على ان من ولاه الحكمان الخلافة فهو الخليفة ،و من اتفقا على خلعه خلع (2) . لكن هذا الخبر تطعن فيه أمور ، أولها أنه يفتقد إلى الإسناد ،و ثانيها أنه تعرّض لقضية الخلافة في وقت كان سبب الخلاف هو قضية الاقتصاص من قتلة عثمان و ليس مسألة الخلافة ، فجيش الشام لم يكن ينكر أحقية الإمام علي في الخلافة ، و إنما كان يطالب بالاقتصاص من قتلة عثمان كشرط للبيعة . و ثالثها أن أهل الشام لم يكونوا في موقف قوة

(1) الطبري: المصدر السابق ج 3 ص: 105 .

(2) الذهبي: الخلفاء الراشدون ص: 332 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت