الصفحة 38 من 48

و أما بالنسبة لشخصية الحكمين أبي موسى ، ابن العاص-رضي الله عنهما- فإن الرواية المشهورة قد وصفت الأول بأنه مغفل و ضعيف الرأي ، و الثاني وصفته بأنه مكار و مخادع و داهية ، فهل لهذه المزاعم من صحة ؟ فبالنسبة لأبي موسى فإن المعروف عنه يتنافى تماما مع ما وصفته به رواية التحكيم ، فقد أرسله الرسول-عليه الصلاة و السلام- إلى اليمن مع معاذ بن جبل ،و ولاه عمر بن الخطاب إمارة البصرة و الكوفة ،و أثنى عليه بالفهم و خصّه بكتابه الشهير في آداب القضاء و قواعده .و كان من أعلم الصحابة و اقضاهم و جاهد زمن الرسول و بعده ،و هو الذي فتح مدينتي اصفهان و تستر (1) .فهل يعقل أن يكون من هذه صفاته و أعماله مغفلا ضعيف الرأي ؟ و هل يقود المغفل الجيوش و يتولى القضاء و الإمارة ؟ أليس ما اتهم به أبو موسى هو بهتان مكشوف و كذب مفضوح ؟

و قد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (ق:6ه) أن الطائفة التاريخية الركيكة عندما أرادت تزييف التاريخ روّجت بين الناس أن أبا موسى كان أبلها ضعيف الرأي محدود القوى ،و أن عمرو بن العاص كان داهية ضربت الأمثال بدهائه ، كل ذلك ليسهل لها تحقيق ما أرادته ( العواصم ص: 127 ) .و مما يؤسف له أن الباحث توفيق المدني قد وقع تحت تأثير مزيفي التاريخ ، عندما أساء الأدب مع الصحابي أبي موسى الأشعري ، فوصفه بأنه درويش و لم يستح من ذلك (2) .و إني لأتعجب منه كيف تجرأ على وصف صحابي جليل بذلك الوصف المشين المكذوب، إرضاء لمؤلف كتاب: الخوارج هم أنصار الإمام علي (3) .

(1) انظر: الذهبي: السير ج2 ص: 274،275،279 .و ابن العربي: العواصم ، هامش ص: 126-127 .

(2) سليمان بن داود: الخوارج هم أنصار الإمام علي/: 16 .و توفيق المدني قدّم لهذا الكتاب المليء بالكذب

(3) سبق و أن أثبتنا أن عليا وافق على وقف القتال طواعية ،و أن الخوارج هم الذين عارضوه ، فعندما لم يوافقهم خرجوا عليه بالسلاح فقاتلهم ، فكيف يكونون أنصاره ؟ ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت