فهرس الكتاب
و أما عمرو بن العاص ، فقد شهد له التاريخ بالفطنة و الذكاء و الحزم ، و أنه أسلم قبل الفتح و هاجر إلى المدينة طواعية ، و مدحه الرسول-صلى الله عليه و سلم- بالإيمان عندما قال: (( أسلم الناس و آمن عمرو بن العاص ) )- حديث حسن رواه أحمد و الترمذي-،و ولاه إمرة جيش غزوة ذات السلاسل و تحت إمرته كبار الصحابة ، و حديثه مروى في الصحيحين و غيرهما من كتب الحديث (1) . لذا فإنه من المستبعد جدا أن يصدر عنه ما نسب إليه من مكر و خداع و كذب , و إنما المحترفون المزيفون للتاريخ وجدوا في شخصيته فرصة للطعن فيه عن طريق المبالغة في وصف دهائه ، ليسهل لهم الكذب و التحريف و التلاعب بالإخبار .
و فيما يخص قرار الحكمين و ما جرى بينهما من نقاش ، فيلاحظ عليه أولا أن هنالك اختلافا بين الروايات في الأمر الذي اتفق عليه الحكمان ، فرواية تقول أنهما اتفقا على خلع علي و معاوية ، و تركا الأمر شورى بين المسلمين. و أخرى تقول أنهما خلعا الاثنين و عينا ابن عمر خليفة للمسلمين ، و رواية ثالثة تقول أنهما اتفقا على أن يخلع كل واحد صاحبه ، دون التطرّق لمصير الخلافة ، أفلا يدل هذا الاختلاف في قرار الحكمين على تلاعب الرواة بتلك الروايات ؟.و ثانيا إنه يتبين للمتدبر فيما جرى بين الحكمين-حسب الروايات- أن في الأمر ما يوحي بأنه مدبر و مخطط له سلفا ،و أنه مسرحية غير محبوكة الأدوار ، حاكها محترفوا تزوير التاريخ ، فمن ذلك أن رواية الطبري زعمت أن أبا موسى عندما أراد التكلم ، تدخل ابن عباس فنصحه و حذّره من مكر ابن العاص ، و كأن أبا موسى طفل لا يفهم و غبي أبله ، و هذا باطل لا يصح في حقه ،و قد سبق و أن بينت أنه كان عالما متبحرا ،و قائدا مظفرا ،و قاضيا فطنا ،و أميرا محنكا .
(1) الذهبي: المصدر السابق ج 3 ص: 55،56 .