فهرس الكتاب
و ثالثا أن الروايات التي ذكرت حادثة التحكيم قد ضخّمت أمر من يتكلم الأول ، الأمر الذي جعل ابن عباس يتدخل و ينصح أبا موسى بالتأخر ليسبقه ابن العاص، ثم أظهرت الرواية أن أبا موسى لم يستجب و لم يتفطن للحيلة فكان ذلك سبب فشله و مكر عمرو به . و هذا -في اعتقادي- تعليل مضحك سخيف ،و كلام فارغ يدل على تلاعب الرواة بتلك الروايات، لأن المسألة ليست في التقدم و التأخر ، فإذا افترضنا أن ابن العاص كان فعلا يريد المكر بأبي موسى ، ففي مقدوره أن يتكلم هو الأول و يحقق ما خطط له ، فيقول -مثلا-: لقد وافق أبو موسى على خلع علي و معاوية ، و أنا أوافقه على خلع علي ، و لا أوافقه على عزل معاوية ، فهو ولي عثمان و المطالب بدمه،و أولى من يخلفه في منصبه . أليس بهذا التصرف يكون قد قطع الطريق كلية أمام أبي موسى ؟
و رابعا انه يلاحظ على ما جرى بين الحكمين-بناء على ما قالته الروايات-أنهما تسابا و تشاتما ،و طعن بعضهما في بعض .و هذا أمر مستبعد جدا ، لأنه يتنافى مع المتواتر من أخلاق الصحابة و آدابهم ، و قد مدحهم القرآن الكريم و أثنى عليهم . و قد يزعم الطاعنون في الصحابة بان هؤلاء -بعدما اقتتلوا - انحرفوا عن الشرع ،و فقدوا أخلاقهم و آدابهم . و هذا زعم باطل لا يصدق على الصحابة ، لأنهم دخلوا في الفتنة مجتهدين متأولين طالبين للحق ،و لم يدخلوها منحرفين ظالمين خارجين عن الدين ، فهم طائفتان مؤمنتان مقتتلتان ، يصدق عليهم قوله تعالى: (( و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . . ) ).