الصفحة 36 من 77

وهذا في الحقيقة أكبر من أن يقدر عليه الإنسان بعقله المحدود وعلمه القاصر فضلاُ عن تأثير ميوله ونزعاته الشخصية، ولهذا لا يخلو منهج أو نظام يصنعه بشر من الإفراط أو التفريط.

ولذلك إن القادر على إعطاء كل شيء في الوجود حقه هو الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا ووسع كل شيء رحمة وعلمًا لذا لا عجب أن نرى هذا التوازن الدقيق فيما أمر الله به وشرعه في الدين.

-ظاهرة التوازن في الكون كله:

ننظر في العالم من حولنا فنجد الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والمجموعات الكونية السابحة في الفضاء، إن كلًا منها يسبح في مداره دون أن يصدم غيره أو يخرج عن دائرته وصدق الله العظيم إذ يقول: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (40) سورة يس.

فهل صفة التعادل هي أيضًا الحقيقة الأولى في كيان الإنسان ؟

فلننظر أولًا كيف يعيش الإنسان من حيث هو كائن مادي ؟إنه يعيش بالتنفس ما هو التنفس ؟ هو حركة تعادل بين الشهيق والزفير.

فإذا أختل هذا التعادل بأن طال الشهيق أكثر مما ينبغي طاغيًا على الزفير وبالعكس فإن حياة الإنسان ستتوقف.

وإذا انتقلنا إلى التركيب الروحي للإنسان نجد أن له شهيقه وزفيره فيما يمكن أن نسميه (( الفكر والشعور ) )أو (( العقل والقلب ) ).

فالإنسان إذن كائن متعادل ماديًا وروحيًا بل كل الكائنات التي تحملها الأرض متعادلة.

وإلى هذه الخصيصة البارزة يشير قوله تعالى مخاطبًا امة الإسلام: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (143) سورة البقرة.

ووسطية الأمة الإسلامية إنما هي مستمدة من وسطية منهجها ونظامها فهو منهج وسط لأمة وسط.

-مزايا الوسطية وفوائدها:

الوسطية أليق بالرسالة الخالدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت