الصفحة 59 من 77

وكذلك باقي الفرائض والأوامر جاءت بشكل مدرج.

والمحرمات أيضًا لم يأت تحريمها دفعة واحدة و أوضح مثل معروف هو تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي حتى إذا نزلت الآيات في النهي عنها من سورة المائدة وفي ختامها {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91) سورة المائدة, قال المؤمنون في قوة وتصميم: قد انتهينا يا رب.

وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس، فإذا أردنا أن نقيم مجتمعًا إسلاميًا حقيقيًا فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بقرار يصدر إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج أي بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية.

* النزول عن المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى:

ومن دلائل الواقعية في الشريعة الإسلامية أنها لا تغمض عينها عن الواقع العملي الذي يعيشه الناس محلقة في مثالية لاوجود لها بل نجدها تنزل إلى أرض الواقع لتكيف أحكامها الفرعية تبعًا له حتى لا تهدر مصالح العباد ولذلك أمثلة كثيرة منها:أن الواجب هو عزل ولي الأمر الجائر ولكن الفقهاء أجازوا الإبقاء عليه إذا كان خلعه وعزله سيؤدي إلى فتنة أكبر ويدخل في هذا: تغيير المنكر بالقوة إذا أدى إلى منكر أكبر منه.

وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية على أمر غاية من الأهمية وهو أن النزول عن المثالية المنشودة إلى حكم الواقع الموجود ليس معناه الاستسلام للواقع الهابط والرضا بل ينبغي أن تظل العزائم مشدودة لتحويل الواقع إلى ما هو أفضل ولو بطريق التدرج.

-هذا هو الإسلام وهذه هي واقعيته في كل مجال من المجالات: لا يكلف الناس شططًا ولا يجعل عليهم حرجًا إنه منهج الفطرة، منهج الله الذي يتعانق فيه الواقع والمثال.

الوضوح:

هو إحدى الخصائص العامة للإسلام سواء فيما يتعلق بالأصول أم بالمصادر أم بالأهداف أم بالمناهج.

أولًا: وضوح الأصول والقواعد الإسلامية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت