فنحن لا نكاد نجد أيديولوجية اجتماعية ولا تنظيمية سياسية من الليبرالية إلى الاشتراكية إلى الشيوعية وحتى النازية إلا وتدعي كل منها أنها هي (( الديمقراطية ) )الحقة وأن ما عداها ديمقراطية زائفة فبات الناس حائرون أي من هذه الديمقراطية هو الأصيل وأيها المدعي ؟
ولكل من هذه الفئات تعتمد على معايير اجتماعية أو وصفية لتبرير منهجها وأسلوبها، فمفكرو الديمقراطية الغربية يعتمدون المعيار السياسي ويميزون ديمقراطيتهم بالحرية السياسية على حين يعتمد الماركسيون المعيار الاقتصادي فيميزون ديمقراطيتهم بالحرية الاقتصادية.
الجمع بين التطور والثبات
يكاد الذين يكتبون عن الإسلام ورسالته في عصرنا ينقسمون إلى فئتين متقابلتين:
فئة تبرز جانب المرونة والتطور في أحكام الإسلام حتى تحسبها عجينة لينة.
فئة تبرز جانب الثبات والخلود في تشريعه وتوجيهه حتى تحسبها صخرة صلدة وقليل من الكتاب كانت رؤيته واضحة لهذا المنهج الإلهي الفريد.
ومن أبرز ما يميز الإسلام عن سائر المجتمعات الأخرى ذلك التوازن أو الوسطية والتي تحدثنا عنها بالتفصيل في فصل سابق.
وإن من أجلى مظاهر التوازن والوسطية التي يتميز بها نظام الإسلام هو التوازن بين الثبات والتطور فهو يجمع بينهما في تناسق مبدع واضعًا كلًا منهما في موضعه الصحيح.
وهذه الخصيصة البارزة لرسالة الإسلام لا توجد في شريعة سماوية ولا وضعية فالسماوية تمثل عادة الثبات والجمود والوضعية تمثل عادة المرونة المطلقة.
ولكن الإسلام الذي فتح الله به الشرائع والرسالات السماوية أودع الله فيه عنصر الثبات والخلود وعنصر المرونة والتطور وهذا من روائع الإعجاز في هذا الدين وصلاحيته في كل زمان ومكان.
ونستطيع أن نحدد مجال الثبات ومجال المرونة في شريعة الإسلام فنقول إنه:
الثبات على الأهداف والغايات والمرونة في الوسائل والأساليب.
الثبات على الأصول والكليات والمرونة في الفروع والجزئيات.