فهرس الكتاب
إلى أن قال: =ويا رعى الله عهد دمشق الفيحاء وجادتها الهوامع (1) وسقت، وأفرغت فيها ما وسقت. (2)
وخصّت بالمثقلات الدوالح (3) مجامع الأحباب، وأندية الأصحاب، من الصالحية والجسر والنَّيربين (4) : المزة والربوة.
فكم كانت لنا فيها من مجالس، نتناقل فيها الأدب، ونتجاذب أطراف الأحاديث العلمية، على ودٍّ أصفى من بَرَدى تُصَفِّق بالرحيق السلسل (5) ، ووفاء أثبت من أواسي قاسيون، وأرسى من ثهلان ذي الهضبات.
لا توبَن في مجالسنا حرمة، ولا يُكلم عرض، ولا يقارف مأثم.
وإنما هو الأدب بلا جدب، نهصر أفنانه؛ والعلم بلا ظلم، نطلق عنانه، والفن بلا ضن نروّق دنانه، والنادرة بلا بادرة نتلقفها، والنكتة بلا سكتة نتخطفها.
ويا تربة الدحداح، بوركت من تربة، لا يذوق فيها الغريب مرارة الغربة، ولا زلت مسقطًا لرحمات الله.
إنني أودعت ثراك أعزّ الناس عليّ: أبي وابني وجَدَّي أولادي؛ فاحفظي الودائع إلى يوم تُجزى الصنائع.
ويا جناتِ الغوطة، وقراها المغبوطة، لا زلت مجلى الفطر، والحد الفاصل بين البدو والحضر، أشهد ما عشوتِ من الغرب إلى نار (6) ، ولا عشيت منه بنور.
تبارك من رَوَّاك بسبعة أودية، وكساك من وشي آذار بخضر الأردية.
(1) _ الهوامع: السحب الممطرة.
(2) _ ما وسقت: أي ما جمعت من ماء.
(3) _ الدوالح: جمع دلوح ودلوحة، وهي السحابة المثقلة بالماء.
(4) _ النَّيربان: هما جانبا دمشق الشمالي والجنوبي حول نهر بردى.
(5) _ قوله: =على ود أصفى من بردى تصفق بالرحيق السلسل +: هذا تضمين لبيت حسان ابن ثابت÷ وهو ضمن قصيدته التي تسمى البتارة، التي مدح بها آل جفنة من الغساسنة، والتي مطلعها:
اسألتَ رسم الدار أم لم تسألِ
بين الجوابي فالبضيع فَحوقلِ
إلى أن يقول:
يَسقُون مَنْ وَرَدَ البريص عليهم
بردى يصفِّق بالرحيق السلسل السلسل
(6) _ هذا تضمين لقول الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء نوره
تجد خير نار عندها خير مُوقِدِ