فهرس الكتاب
كم فُتنِْتُ بمناظرك الشعرية، وأخذت بمجاليك السحرية، وكم تزوّدتْ عيناي فيك بروضة وغدير، وكم تمتعت أذناي من جداولك وأشجارك بحفيف وهدير+.
إلى أن قال: =عهود لم يبق إلا ذكراها في النفس، وصداها في الجوانح، والحنينُ إليها في مجامع الأهواء من الفؤاد.
ولولا أن السلوّ كالزمن يتقادم، وأن الهوى مع العقل يتصادم، لقلت مع المتنبي: أبوكم آدم!...+ (1)
فلو تأملت الفِقَر الماضية لرأيت أمثلةً على توظيف الثقافة للموضوع.
18_ العلم بموطن الشاهد، وإيراد النقول في مواطنها المناسبة
فيحسن بالكاتب إذا اختار موضوعًا في أي شأن من الشؤون _ أن يجمع كل ما يخدم موضوعه، ثم ينتقي من ذلك ما يناسب المقام،ويلائم الأسلوب.
كما عليه أن يعرف موطن الشاهد، والمنزع _ فلا يورد كلامًا في غير موضعه، ولا يستشهد بكلام في غير محله.
فإذا أخطأ السبيل في ذلك عرَّض نفسه للسخرية، كحال من يستشهد ببيت شعر وهو لا يعرف معناه، فيضعه في مكان مغاير لما أراد.
وذلك كحال أحدهم لمَّا كتب كلمة رثاء في أحد العلماء؛ حيث أفاض في مدحه، والثناء عليه، وأكثر من قول: =وكان×+ حتى قال: وكان ×:
يمارس نفسًا بين جنبيه كزَّة ... إذا همَّ بالمعروف قالت له: مهلًا
فعرض على صاحبٍ له مقالته، فقال الصاحب: أتدري ما معنى البيت؟
فقال الكاتب: نعم، إنه بيت جميل، يتضمَّن مدحًا، وثناءًا يناسب مقام ذلك العالم الجليل.
فقال له صاحبه: إن معنى البيت يتضمَّن هجاءًا مرًا مقذعًا يكاد يكون من أعظم الهجاء؛ حيث وُصف المهجو بالبخل الشديد، والكزازة، وَوُصِفَتْ نفسه بأنها لا تطاوعه على المكارم.
فقال الكاتب _وكان في نيَّته إرسال المقال إلى جريدة سيَّارة_: خرِّق، خرِّق!
(1) _ يشير إلى قول المتنبي في قصيدة شِعب بَوَّانٍ:
يقول بشعب بَوَّانٍ حصاني
أعن هذا يُسار إلى الطعان
أبوكم آدم سن المعاصي
وعلمكم مفارقة الجنان