فهرس الكتاب
وكحال أحد الطلاب في الجامعة، حيث أرسل رسالة إلى أستاذ يُجلُّه ويحبه، فأراد هذا الطالب أن يُعبِّر عن هذه المشاعر المكنونة، وأن يصف أستاذه بصفات تليق بمقامه العالي عنده، فأرسل رسالة عبر الجوَّال يقول فيها:
وصَفْتَ التقى حتى كأنك ذو تقى ... وريح المعاصي من ثيابك تنضح
فلما قرأها الأستاذ قال: صحيح إن ذنوبي كثيرة، ولو فاحت رائحتها لما جالسني أحد.
ثم اتَّصل على هذا المرسل وهو لا يعرفه، فلما تكلَّم كأنه عرفه، فقال له: ما هذا البيت؟ فقال الطالب: والله يا شيخ إنني أحبُّك في الله، وبين يدي أحد مؤلفاتك، وقد أفدت منه فائدة كبيرة، وخطر في بالي ذلك البيت، فأرسلته لك معبِّرًا عن إعجابي وحُبِّي.
فقال له الأستاذ: أتدري معنى البيت؟
فقال الطالب: لا شك أنه معنى جميل.
فقال الأستاذ: إن معناه كذا وكذا، فتلعثم الطالب، وقال: والله إنني لا أعلم أن معناه هكذا، فلعلك لم تعرفني أيها الأستاذ.
فقال الأستاذ: لا عليك؛ الأمر أهون من ذلك، ولكن عليك بالتثبُّت، ومعرفة ما تكتب.
وربما قال بعضهم لزوجته مثنيًا عليها:
أثني عليَّ بما علمتِ فإنني ... مثنٍ عليك بمثل ريح الجورب
وما علم أن ذلك منتهى الإقذاع والسب، والسخرية.
وكل ذلك ناتج عن سوء الفهم، ووضع الكلام في غير مواضعه.
وإن كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
19_ الاهتمام بحسن الافتتاح، وجودة المطلع، وبراعة الاستهلال
فذلك دليلٌ على جودة البيان، وسلامة الذوق، كما أنه سبيل بلوغ المعاني إلى الأذهان؛ فلذلك ينبغي أن يكون حسنًا مقبولًا، دالًا على الغرض ولو من طرفٍ خفي؛ فالفكرة الأولى عن شيء، أو أمر، أو شخص تَثْبُت وتَقِرُّ في النفس.
ومحوها يحتاج إلى عناء؛ فإن كانت حَسَنةً صَعُب تهجينها، وإن كانت سيئة عَزَّ تزيينها.