فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 60

ولهذا عني علماء البلاغة في مبادئ الكلام، وعقدوا له الفصول في كتبهم، ونبهوا على ما ينبغي للكاتب، والشاعر في هذا الشأن قال أبو هلال العسكري×: =إذا كان الابتداء حسنًا بديعًا ومليحًا ورشيقًا كان داعيةَ الاستماعِ لما يجيء بعده من الكلام.

ولهذا المعنى يقول الله _عز وجل_: [الم] ، [حم] ، [طس] ، [كهيعص]

فيقرع أسماعهم بشيء بديع ليس لهم بمثله عهد؛ ليكون ذلك داعيةً لهم إلى الاستماع لما بعده، والله أعلم بكتابه.

ولهذا جعل أكثر الابتداءات بـ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] لأن النفوس تتشوق للثناء على الله؛ فهو داعيةُ الاستماع+. (1)

وقال ×: =قال بعض الكتاب: أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات؛ فإنهن دلائل البيان.

وقالوا: ينبغي للشاعر أن يحترز في أشعاره، ومفتتح أقواله مما يُتطير منه، ويُستجفى من الكلام والمخاطبة، والبكاء، ووصف إقفار الديار، وتشتيت الأُلاف، ونعي الشباب، وذم الزمان لا سيما في القصائد التي تتضمن المدائح والتهاني، ويستعمل ذلك في المراثي، ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسًا على هذا المثال تَطَيَّر منه سامعه، وإن كان يعلم أن الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح+. (2)

ثم ضرب × أمثلة على ذلك، منها قوله: =أنشد البحتري أبا سعيد قصيدة أولها:

لك الويل من ليلٍ تطاول آخره ... ووشْكُ نوى حيٍّ تزمُّ أباعره

فقال أبو سعيد: بل الويل والحرب لك، فَغَيَّره، وجعله: =له الويل+ وهو رديء _أيضًا_.

وأنشد أبو مقاتلٍ الداعيَ:

لا تقل بُشرى ولكن بُشْريانْ ... غرةُ الداعي ويومُ المهرجان

فأوجعه الداعي ضربًا، ثم قال: هَلاَّ قلت:

إن تقل بشرى فعندي بشريان+. (3)

(1) _ كتاب الصناعتين ص 437.

(2) _ كتاب الصناعتين ص 431.

(3) _ كتاب الصناعتين ص432 ، وذكر صاحب معاهد التنصيص عبد الرحيم العباسي 4_229: =أن ابن مقاتل الضرير _أَحَدَ شعراء الجبال_ أنشد للداعي إلى الحق العلوي الثائر بطبرستان قوله:

موعدُ أحبابك بالفرقة غدْ ……………

فقال له الداعي: بل موعد أحبابك، ولك المثل السوء.……………

الشاهد فيه: قبح الابتداء.

وروي _أيضًا_ أنه دخل عليه في يوم مهرجان، وأنشده:

لاتقل بشرى ولكن بشريان

غرة الداعي ويوم المهرجان

فتطير منه الداعي، وقال: أعمى يبتدئ بهذا يوم المهرجان، ثم أمر ببطحه، وضربه خمسين عصا، وقال: إصلاح أدبه أبلغ في ثوابه+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت