فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 60

ولعله لو فعل حتى يصيب الغرض الذي يريده، وَيَرِد المنهل الذي يؤمه، لاستدرك من جيِّد الشعر وَنقِيِّه، ومختاره ورضيِّه كثيرًا مما فات المؤلف الأول؛ فماذا الإنكار؟ ولمه هذا الاعتراض؟ ومن ذا حظر على المتأخر مضادةَ المتقدم؟ ولمه تأخذ بقول من قال: ما ترك الأول للآخر شيئًا، وتدع قول الآخر:

كم ترك الأول للآخر؟

وهل الدنيا إلا أزمان، ولكل زمان رجال؟ وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأوهام، ونتائج العقول؟!

ومَنْ قصر الآداب على زمانٍ معلوم، ووقفها على وقت محدود؟ ولمه لا ينظر الآخر مثلما نظر الأول حتى يؤلف مثل تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل مثل رأيه.

وما تقول للفقهاء زماننا إذا نزلت بهم من نوادر الأحكام نازلة لم تخطر على بال من كان قبلهم؟ أَوَ ما علمت أن لكل قلب خاطرًا، ولكل خاطر نتيجةً، ولِمَهْ جاز أن يقال بعد أبي تمام مثل شعره، ولم يَجُزْ أن يؤلف مثل تأليفه؟

ولمه حجرت واسعًا وَحَظَرتَ مباحًا، وحرمت حلالًا، وسددت طريقًا مسلوكًا؟

وهل حبيب (1) إلا واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم؟ ولمه جاز أن يعارض الفقهاء من مؤلفاتهم، وأهل النحو في مصنفاتهم، والنُّظَّار في موضوعاتهم، وأرباب الصناعات في جميع صناعاتهم، ولم يجز معارضة أبي تمام في كتاب شذَّ عنه في الأبواب التي شرعها فيه أمر لا يُدْرَكُ ولا يدرى قدره؟

ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلَّت أفهام ثاقبة ولَكَلَّت أَلْسُنٌ لسِنَةٌ، ولما توشَّى أحد بالخطابة، ولا سلك شِعْبًا من شعاب البلاغة، وَلَمَجَّتِ الأسماع كل مردود مكرر، ولَلَفظت القلوب كل مُرَجَّع مُمَضَّغ، وحتَّام لا يُسْأَم:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي (2)

وإلى متى: صَفَحْنا عن بني ذهل (3)

(1) _ يعني به: أبا تمام: حبيب بن أوس الطائي.

(2) _ يشير إلى قول القائل: لو كنت .... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

(3) _ يشير إلى قول الفِنْد الزماني:

صفحنا عن بني ذهل

وقلنا القوم إخوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت