فهرس الكتاب
ولِمَه أنكرت على العِجْليِّ معروفًا؟ واعترفت لحمزة بن الحسين ما أنكره على أبي تمام في زعمه أن في كتابه تكريرًا وتصحيفًا، وإيطاءًا وإقواءًا، ونقلًا لأبيات عن أبوابها إلى أبوابٍ لا تليق بها ولا تصلح لها إلى ما سوى ذلك من روايات مدخولة، وأمور عليلة؟ ولمه رضيت لنا بغير الرضى؟ وهلا حثثت على إثارة ما غَيَّبَتْهُ الدهور، وتجديد ما أخلقته الأيام، وتدوين ما نَتَجَتْهُ خواطرُ هذا الدهر، وأفكار هذا العصر، على أن ذلك لو رامه رائمٌ لأتعبه، ولو فعله لقرأت ما لم ينحط عن درجة مَنْ قَبْلَه: مِنْ جدٍّ يروعك، وهزل يروقك، واستنباط يعجبك، ومزاحٍ يلهيك.
وكان بقزوين رجل معروف بأبي حامد الضرير القزويني، حضر طعامًا وإلى جنبه رجل أَكُوْلٌ، فأحس أبو حامد بجودة أكله فقال:
وصاحب لي بطنه كالهاوية ... كأن في أمعائه معاويه (1)
فانظر إلى وجازة هذا اللفظ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنب معاوية، وهل ضر ذلك أن لم يقله حماد عَجْرَد وأبو الشمقمق؟ وهل في إثبات ذلك عار على مثبته، وفي تدوينه وصمة على مدوِّنه؟
وبقزوين رجل يعرف بابن الرياشي القزويني، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان مقبلًا، عليه عمامةٌ سوداءُ وطيلسان أزرقُ، وقميصٌ شديدُ البياض، وخفٌّ أحمرُ، وهو مع ذلك كله قصير على بِرذَون أبلقَ هزيلِ الخَلْق، طويل الحلق، فقال حين نظر إليه:
وحاكم جاء على أبلق ... كعقعقٍ جاء على لقلقِ
فلو شهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدت للشاعر بصحة التشبيه، وجودة التمثيل، ولعلمت أنه لم يَقْصُرْ عن قول بشار:
كأن مُثَار النقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فما تقول لهذا، وهل يحسن ظلمه في إنكار إحسانه، وجحود تجويده؟
(1) _ المعاوية: الكلبة التي تعاوي الكلاب وتنابحها، وبها سمي الرجل، وربما أراد بذلك الخليفة معاويةَ بن أبي سفيان ÷ فقد كان رجلًا أكولًا وقد قال فيه النبي"=لا أشبع الله بطنك+."