قلت: نعم ..
فقال: أنا عندي أموال كثيرة .. ووظيفة مرموقة .. وشهادة عالية .. وقد جربت جميع المتع .. شربت الخمور المتنوعة .. وواقعت الزنى .. وسافرت إلى بلاد كثيرة .. ومع ذلك .. لا أزال أشعر بضيق دائم .. وملل من هذه المتع .. حتى عرضت نفسي على عدة أطباء نفسيين .. وفكرت في الانتحار عدة مرات لعلي أجد حياة أخرى .. ليس فيها ملل .. ألا تشعر أنت بمثل هذا الملل والضيق؟!
فقلت له: لا .. بل أنا في سعادة دائمة .. وسوف أذلك على حل المشكلة .. ولكن أجبني ..
أنت إذا أردت أن تمتع عينيك فماذا تفعل؟ قال: نظر إلى امرأة حسناء أو منظر جميل ..
قلت: فإذا أردت أن تمتع أذنيك فماذا تفعل؟ قال: أستمع إلى موسيقى هادئة ..
قلت: فإذا أردت أن تمتع أنفك فماذا تفعل؟ قال: أشم عطرًا .. أو أذهب إلى حديقة ..
قلت له: حسنًا .. إذا أردت أن تمتع عينك لماذا لا تستمع إلى موسيقى؟
فعجب مني وقال: لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالأذن ..
قلت: فإذا أردت أن تمتع أنفك لماذا لا تنظر إلى منظر جميل؟ فعجب أكثر وقال: لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالعين .. ولا يمكن أن يتمتع بها الأنف ..
قلت له: حسنًا .. وصلت إلى ما أريده منك ..
أنت تحس بهذا الضيق والملل في عينك؟
قال: لا .. قلت: تحس به في أذنك .. في أنفك .. فمك .. فرجك ..
قال: لا أحس به في قلبي .. في صدري ..
قلت: أنت تحس بهذا الضيق في قلبك .. والقلب له متعة خاصة به .. لا يمكن أن يتمتع بغيرها .. ولا بدَّ أن تعرف الشيء الذي يمتع القلب .. لأنك بسماعك للموسيقى .. وشربك للخمر .. ونظرك وزناك .. لست تمتع قلبك وإنما تمتع هذه الأعضاء ..
فعجب الرجل .. وقال: صحيح .. فكيف أمتع قلبي؟
قلت: بأن تشهد أن لا إله إلا الله .. وأن محمدًا رسول الله .. وتسجد بين يدي خالقك .. وتشكو بثك وهمك إلى الله .. فإنك بذلك تعيش في راحة واطمئنان وسعادة ..
فهزّ الرجل رأسه وقال: أعطني كتبًا عن الإسلام .. وادعُ لي .. وسوف أسلم ..
وصدق الله إذ قال:] يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون[ ..
فعجبًا لأقوام يلتمسون الأنس والانشراح .. ويبحثون عن السعادة في غير طريقها .. والله يقول:]أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون[ ..
ففرّق الله بين عيش السعداء .. وعيش الأشقياء .. في المحيا والممات ..
بل إن المحسن كلما ازداد إحسانًا في الدنيا .. عظمت لذته وسعادته .. وأحسن الله إليه في رزقه .. وولده .. ووظيفته .. ومسكنه .. أحسن إليه في كل شيء ..
قال تعالى:]قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ ..
ذكر أصحاب السير وأصل القصة في صحيح مسلم ..
أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه الصحابي الجليل .. قتل أبوه في معركة أحد .. وخلف عنده سبع أخوات ليس لهن عائل غيره .. وخلف دينًا كثيرًا .. على ظهر هذا الشاب الذي لا يزال في أول شبابه ..
فكان جابر دائمًا ساهم الفكر .. منشغل البال بأمر دَينه وأخواته .. والغرماء يطالبونه صباحًا ومساءً ..
خرج جابر مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع .. وكان لشدة فقره على جمل كليل ضعيف ما يكاد يسير .. ولم يجد جابر ما يشتري به جملًا .. فسبقه الناس وصار هو في آخر القافلة ..